تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الفريد — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨
علي ، أوصى بأن يدفن مع جده في ذلك الموضع ؛ فلما أراد بنو هاشم أن يحفروا له منعهم مروان - وهو والي المدينة في أيام معاوية - فقال أبو هريرة : علام تمنعه أن يدفن مع جده ؟ فأشهد لقد سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة » قال له مروان : لقد ضيّع اللّه حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذا لم يروه غيرك . قال : أنا واللّه لقد قلت ذلك ؛ لقد صحبته حتى عرفت من أحبّ ومن أبغض ، ومن نفى ومن أقرّ ، ومن دعا له ومن دعا عليه . قال : وسطح قبر أبي بكر كما سطّح قبر النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ورشّ بالماء . هشام بن عروة عن أبيه : أن أبا بكر صلّي عليه ليلا ودفن ليلا . ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة ، ولها مات النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم . وعاش أبو قحافة بعد أبي بكر أشهرا وأياما ، ووهب نصيبه في ميراثه لولد أبي بكر وكان نقش خاتم أبي بكر : نعم القادر اللّه . ولما قبض أبو بكر سجّي بثوب ، فارتجّت المدينة من البكاء ، ودهش القوم كيوم قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . وجاء علي بن أبي طالب باكيا مسرعا مسترجعا حتى وقف بالباب وهو يقول : « رحمك اللّه أبا بكر ! كنت واللّه أول القوم إسلاما ، وأصدقهم إيمانا ، وأشدهم يقينا وأعظمهم غنى ، وأحفظهم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وأحدبهم على الإسلام ، وأحماهم عن أهله ، وأنسبهم برسول اللّه خلقا وفضلا وهديا وسمتا ؛ فجزاك اللّه عن الإسلام وعن رسول اللّه وعن المسلمين خيرا ؛ صدّقت رسول اللّه حين كذّبه الناس وواسيته حين بخلوا ، وقمت معه حين قعدوا وسمّاك اللّه في كتابه صدّيقا فقال :
وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ
« 1 » ، يريد محمدا ويريدك ؛ كنت واللّه للإسلام حصنا ، وللكافرين ناكبا ، لم تفلل « 2 » حجتك ، ولم تضعف بصيرتك ، ولم تجبن
هامش
( 1 ) سورة الزمر الآية 33 . ( 2 ) لم تفلل : لم تهزم .
العقد الفريد — صفحة 18 | مفيد محمد قمحية / أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي