فإن تكن الأيام فرّقن بيننا * فقد عذرتنا في صحابته العذر
وكنت أرى هجرا فراقك ساعة * ألا لا بل الموت التفرق والهجر
أحقا عباد اللّه أن لست لاقيا * بريدا طوال الدهر ما لألأ العفر « 1 »
فتى ليس كالفتيان إلا خيارهم * من القوم جزل لا ذليل ولا غمر « 2 »
فتى إن هو استغنى تخرّق في الغنى * وإن كان فقر لم يؤد متنه الفقر « 3 »
وسامي جسيمات الأمور فنالها * على العسر حتى يدرك العسرة اليسر
ترى القوم في العزاء ينتظرونه * إذا شتّ رأي القوم أو حزب الأمر « 4 »
فليتك كنت الحيّ في الناس باقيا * وكنت أنا الميت الذي ضمّه القبر
فتى يشتري حسن الثناء بماله * إذا السّنة الشهباء قلّ بها القطر « 5 »
كأن لم يصاحبنا بريد بغبطة * ولم تأتنا يوما بأخباره البشر
لعمري لنعم المرء عالي نعيّه * لنا ابن عرين بعد ما جنح العصر
تمضّت به الأخبار حتى تغلغلت * ولم تثنه الأطباع عنا ولا الجدر « 6 »
فلما نعى الناعي بريدا تغوّلت * بي الأرض فرط الحزن وانقطع الظهر « 7 »
عساكر تغشى النفس حتى كأنني * أخو نشوة دارت بهامته الخمر
إلى اللّه أشكو في بريد مصيبتي * وبثّي وأحزانا يجيش بها الصدر
وقد كنت أستعفي الإله إذا اشتكى * من الأجر لي فيه وإن سرّني الأجر
وما زال في عينيّ بعد غشاوة * وسمعي عما كنت أسمعه وقر
على أنني أقني الحياء وأتّقي * شماتة أقدام عيونهم خزر « 8 »
فحيّاك عني الليل والصبح إذ بدا * وهوج من الأرواح غدوتها شهر
سقى جدثا لو أستطيع سقيته * بأود فروّاه الرواعد والقطر « 9 »
هامش
( 1 ) لألأ العفر : حركت الظباء أذنابها .
( 2 ) الجزل : القوي ؛ والغمر : الذي لم يجرب الأمور .
( 3 ) تخرق : توسع ؛ ولم يؤد : لم يثقل .
( 4 ) شت : تفرق .
( 5 ) الشهباء : السنة التي يكثر فيها الجليد .
( 6 ) تغلغلت : دخلت ؛ والأطباع : الخواتم .
( 7 ) تغولت به الأرض : ذهبت به
( 8 ) أقني الحياء : ألزمه .
( 9 ) أود : موضع .