لم نرزه لمّا رزينا وحده * وإن استقلّ به المنون وحيدا « 1 »
لكن رزينا القاسم بن محمد * في فضله والأسود بن يزيدا
وابن المبارك في الرّقائق مخبرا * وابن المسيّب في الحديث سعيدا
والأخفشين فصاحة وبلاغة * والأعشيين رواية ونشيدا
كان الوصيّ إذا أردت وصيّة * والمستفاد إذا طلبت مفيدا
ولّى حفيظا في الأذمّة حافظا * ومضى ودودا في الورى مودودا « 2 »
ما كان مثلي في الرّزيّة والد * ظفرت يداه بمثله مولودا
حتى إذا بذّ السّوابق في العلا * والعلم ضمّن شلوه ملحودا
يا من يفنّد في البكاء مولّها * ما كان يسمع في البكا تفنيدا « 3 »
تأبى القلوب المستكينة للأسى * من أن تكون حجارة وحديدا
إنّ الذي باد السّرور بموته * ما كان حزني بعده ليبيدا
ألآن لما أن حويت مآثرا * أعيت عدوّا في الورى وحسودا
ورأيت فيك من الصّلاح شمائلا * ومن السّماح دلائلا وشهودا
أبكي عليك إذا الحمامة طرّبت * وجه الصّباح وغرّدت تغريدا
لولا الحياء وأن أزنّ ببدعة * مما يعدّده الورى تعديدا « 4 »
لجعلت يومك في المنائح مأتما * وجعلت يومك في الموالد عيدا
وقلت فيه أيضا :
لا بيت يسكن إلّا فارق السّكنا * ولا امتلا فرحا إلّا امتلا حزنا
لهفي على ميّت مات السرور به * لو كان حيّا لأحيا الدين والسّننا
واها عليك أبا بكر مردّدة * لو سكّنت ولها أو فتّرت شجنا
إذا ذكرتك يوما قلت وا حزنا * وما يردّ عليك القول وا حزنا
يا سيّدي ومراح الروح في جسدي * هلّا دنا الموت منّي حين منك دنا !
هامش
( 1 ) رزأه : أصابه برزء ، والرزء : المصيبة .
( 2 ) الأذمة : جمع ذمام ، وهو العهد والأمان والكفالة .
( 3 ) يفند في البكاء : يعكف عليه .
( 4 ) أزن : اتهم .