تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الفريد — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
من حمل العلم واستعماله ؛ فقليل العلم يستعمله العقل خير من كثيره يحفظه القلب . قيل للمهلب : بم أدركت ما أدركت ؟ قال : بالعلم . قيل له : فإنّ غيرك قد علم أكثر مما علمت ولم يدرك ما أدركت . قال : ذلك علم حمل وهذا علم استعمل . وقد قالت الحكماء : العلم قائد والعقل سائق والنفس ذود ؛ فإذا كان قائد بلا سائق هلكت ، وإن كان سائق بلا قائد أخذت يمينا وشمالا ، وإذا اجتمعا أنابت « 1 » طوعا أو كرها .

فنون العلم

قال سهل بن هارون وهو عند المأمون : من أصناف العلم ما لا ينبغي للمسلمين أن ينظروا فيه ، وقد يرغب عن بعض العلم كما يرغب عن بعض الحلال . فقال المأمون : قد يسمّي بعض الناس الشيء علما وليس بعلم ، فإن كان هذا أردت فوجهه الذي ذكرت . ولو قلت أيضا إن العلم لا يدرك غوره ، ولا يسبر قعره ، ولا تبلغ غايته ، ولا تستقصى أصوله ، ولا تنضبط أجزاؤه ، صدقت ؛ فإن كان الأمر كذلك فابدأ بالأهمّ فالأهم ، والأوكد فالأوكد ، وبالفرض قبل النّفل « 2 » ، يكن ذلك عدلا قصدا ومذهبا جميلا . وقد قال بعض الحكماء : لست أطلب العلم طمعا في غايته والوقوف على نهايته ، ولكن التماس ما لا يسع جهله . فهذا وجه لما ذكرت . وقال آخرون : علم الملوك النسب والخبر ، وعلم أصحاب الحروب درس كتب الأيام والسّير ، وعلم التجار الكتاب والحساب . فأما أن يسمّى الشيء علما وينهى عنه
هامش
( 1 ) أنابت : أذعنت وأجابت . ( 2 ) النّفل : ما زاد على الواجب في الصلاة .