كتاب الياقوتة في العلم والأدب
فرش كتاب الياقوتة في العلم والأدب
قال أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه : قد مضى قولنا في مخاطبة الملوك ومقاماتهم وما تفنّنوا فيه من بديع حكمهم ، والتزلف إليهم بحسن التوصّل ولطيف المعاني ، وبارع منطقهم واختلاف مذاهبهم .
ونحن قائلون بحمد اللّه وتوفيقه في العلم والأدب ؛ فإنهما القطبان اللذان عليهما مدار الدين والدنيا ، وفرق ما بين الإنسان وسائر الحيوان ، وما بين الطبيعة الملكية والطبيعة البهيمية ؛ وهما مادّة العقل ، وسراج البدن ، ونور القلب ، وعماد الروح ؛ وقد جعل اللّه بلطيف قدرته وعظيم سلطانه بعض الأشياء عمدا لبعض ومتولدا من بعض . فإجالة الوهم فيما تدركه الحواس تبعث خواطر الذّكر ، وخواطر الذكر تنبّه رويّة الفكر .
ورويّة الفكر تثير مكامن الإرادة ، والإرادة تحكم أسباب العمل . فكل شيء يقوم في العقل ويمثل في الوهم يكون ذكرا ، ثم فكرا ، ثم إرادة ، ثم عملا . والعقل متقبل للعلم ، لا يعمل في غير ذلك شيئا .
والعلم علمان : علم حمل ، وعلم استعمل ؛ فما حمل منه ضرّ ، وما استعمل نفع .
والدليل على أن العقل إنما يعمل في تقبّل العلوم كالبصر في تقبّل الألوان والسمع في تقبل الأصوات : أنّ العاقل إذا لم يعلّم شيئا كان كمن لا عقل له . والطفل الصغير لو لم تعرّفه أدبا وتلقّنه كتابا كان كأبله البهائم وأضلّ الدّوابّ فإن زعم زاعم فقال : إنا نجد عاقلا قليل العلم ، فهو يستعمل عقله في قلة علمه فيكون أسدّ رأيا وأنبه فطنة وأحسن موارد ومصادر من الكثير العلم مع قلة العقل . فإن حجتنا عليه ما قد ذكرناه