تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الفريد — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠

الحجاج وعاصم بن أبي وائل :

أبو عوانة عن عاصم بن أبي وائل قال : بعث إليّ الحجاج فقال لي : ما اسمك ؟ قلت : ما أرسل إليّ الأمير حتى عرف اسمي ! قال : متى هبطت هذا البلد ؟ قلت : حين هبط أهله . قال : ما تقرأ من القرآن ؟ قلت : أقرأ منه ما إذا تبعته كفاني . قال : إني أريد أن أستعين بك في عملي . قلت : إن تستعين بي تستعن بكبير أخرق « 1 » ، ضعيف يخاف أعوان السوء ؛ وإن تدعني فهو أحبّ إليّ ، وإن تقحمني أتقحّم . قال : إن لم أجد غيرك أقحمتك ، وإن وجدت غيرك لم أقحمك . قلت ؛ وأخرى أكرم اللّه الأمير : إني ما علمت الناس هابوا أميرا قط هيبتهم لك واللّه إني لأتعارّ « 2 » من الليل فما يأتيني النوم من ذكرك حتى أصبح ؛ هذا ولست لك على عمل . قال : هيه ! كيف قلت ؟ فأعدت عليه ؛ فقال : إني واللّه لا أعلم على وجه الأرض خلقا هو أجرأ على دم مني ، انصرف . قال : فقمت فعدلت عن الطريق كأني لا أبصر ؛ فقال : أرشدوا الشيخ .

الحجاج وأسرى الجماجم :

لما أتي الحجاج بأسرى الجماجم ، أتي فيهم بعامر الشّعبي ، ومطرّف بن عبد اللّه الشّخّير وسعيد بن جبير ، وكان الشعبي ومطرّف يريان التّقيّة ، وكان سعيد بن جبير لا يراها ، وكان قد تقدم كتاب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج في أسرى الجماجم ، أن يعرضهم على السيف . فمن أقرّ منهم بالكفر في خروجهم علينا فيخلّي سبيله ، ومن زعم أنه مؤمن فيضرب عنقه . فقال الحجاج للشعبي : وأنت ممن ألّب علينا مع ابن الأشعث ؟ اشهد على نفسك بالكفر . فقال : أصلح اللّه الأمير ، نبا « 3 » بنا المنزل ، وأحزن بنا الجناب ، واستحلسنا « 4 » الخوف ، واكتحلنا السهر ، وخبطتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء ، ولا فجرة أقوياء . قال : للّه أبوك ! لقد صدقت : ما بررتم بخروجكم علينا ولا قويتم ، خلّوا سبيل الشيخ .
هامش
( 1 ) الأخرق : الأحمق الضعيف الرأي . ( 2 ) التعارّ : السهر والتقلّب على الفراش ليلا . ( 3 ) نبا : بعد . ( 4 ) استحلسنا الخوف : لزمنا
العقد الفريد — صفحة 50 | مفيد محمد قمحية / أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي