تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الفريد — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
وقيل لبعضهم : ما البلاغة ؟ قال : معرفة الوصل من الفصل . وقيل لآخر : ما البلاغة ؟ قال : إيجاز الكلام ، وحذف الفضول ، وتقريب البعيد . وقيل لبعضهم : ما البلاغة ؟ قال ألّا يؤتى القائل من سوء فهم السامع ، ولا يؤتى السامع من سوء بيان القائل . وقال معاوية لصحار العبديّ : ما البلاغة ؟ قال : أن تجيب فلا تبطئ ، وتصيب فلا تخطئ . ثم قال : أقلني « 1 » يا أمير المؤمنين . قال : قد أقلتك . قال : ألّا تبطئ ولا تخطئ . قال أبو حاتم : استطال الكلام الأول فاستقال وتكلم بأوجز منه . وسمع خالد بن صفوان رجلا يتكلم ويكثر ، فقال : اعلم رحمك اللّه أن البلاغة ليست بخفة اللسان وكثرة الهذيان ، ولكنها بإصابة المعنى والقصد إلى الحجة فقال له : أبا صفوان ، ما من ذنب أعظم من اتفاق الصّنعة . وتكلم ربيعة الرأي يوما فأكثر ، وإلى جنبه أعرابيّ ، فالتفت إليه فقال : ما تعدّون البلاغة يا أعرابيّ ؟ قال : قلة الكلام وإيجاز الصواب . قال : فما تعدّون العيّ ؟ قال : ما كنت فيه منذ اليوم ، فكأنما ألقمه حجرا . ومن أمثالهم في البلاغة قولهم : يقل الحزّ ويطبّق المفصل . وذلك أنهم شبهوا البليغ الموجز الذي يقل الكلام ويصيب الفصول والمعاني ، بالجزار الرفيق الذي يقلّ حزّ اللحم ويصيب مفاصله . ومثله قولهم :
يضع الهناء مواضع النّقب
أي لا يتكلم إلا فيما يجب فيه الكلام ، مثل الطالي الرفيق الذي يضع الهناء مواضع النّقب . والهناء : القطران . والنّقب : الجرب .
هامش
( 1 ) أقلني : أجرني واعفني .
العقد الفريد — صفحة 122 | مفيد محمد قمحية / أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي