تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الفريد — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨

معاوية وابن العاص بين يدي عمر حين مقدمهما من الشام ومصر

: أبو حاتم عن العتبي قال : قدم معاوية من الشام ، وعمرو بن العاص من مصر على عمر بن الخطاب ؛ فأقعدهما بين يديه وجعل يسائلهما عن أعمالهما ، إلى أن اعترض عمرو في حديث معاوية ، فقال له معاوية : اعملي تعيب وإليّ تقصد ؟ هلم تخبر أمير المؤمنين عن عملي وأخبره عن عملك ! قال عمرو : فعلمت أنه بعملي أبصر مني بعمله ، وأنّ عمر لا يدع أول هذا الحديث حتى يصير إلى آخره ؛ فأردت أن أفعل شيئا أشغل به عمر عن ذلك ، فرفعت يدي فلطمت معاوية . فقال عمر : تاللّه ما رأيت رجلا أسفه منك ! قم يا معاوية فاقتص منه . قال معاوية : إن أبي أمرني ألّا أقضي أمرا دونه . فأرسل عمر إلى أبي سفيان . فلما أتاه ألقى له وسادة وقال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه » . ثم قصّ عليه ما جرى بين عمرو ومعاوية . فقال : لهذا بعثت إليّ ؟ أخوه وابن عمه ؛ وقد أتى غير كبير ، وقد وهبت ذلك له .

لبعضهم في تلمس الحيلة لنصيحة السلطان

: وقالوا : ينبغي لمن صحب السلطان أن لا يكتم عنه نصيحة وإن استثقلها ، وليكن كلامه له كلام رفق لا كلام خرق ، حتى يخبره بعيبه من غير أن يواجهه بذلك ولكن يضرب له الأمثال ، ويخبره بعيب غيره ليعرف عيب نفسه . وقالوا : من تعرّض للسلطان ازدراه ، ومن تطامن له تخطّاه « 1 » . فشبهوا السلطان في ذلك بالريح الشديد التي لا تضر بما لان وتمايل معها من الحشيش والشجر ، وما استهدف لها قصمته « 2 » . قال الشاعر :
إن الرّياح إذا ما أعصفت قصفت * عيدان نبع ولا يعبأن بالرّتم « 3 »

لشبيب في مسايرة السلطان

: وقال شبيب بن شيبة : ينبغي لمن ساير خليفة أن يكون بالموضع الذي إذا أراد
هامش
( 1 ) تطامن له : تطاول واستشرف . ( 2 ) قصمته : قطعته . ( 3 ) النبع : من شجر الجبال تتخذ منه القسيّ ، وربما افتدح به ، والرتم : نبات من أدق الشجر كأنّه من دقته يشبّه بالرتم ، وهي الخيوط .