تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العقد الفريد — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧

لصاحب كليلة ودمنة

: ومما يحتج به الفارّون : ما قاله صاحب كليلة ودمنة : إن الحازم يكره القتال ما وجد بدّا منه ؛ لأن النفقة « 1 » فيه من النفس ، والنفقة في غيره من المال . أخذ هذا المعنى حبيب فنظمه في شعره حيث يقول :
كم بين قوم إنّما نفقاتهم * مال وقوم ينفقون نفوسا
ومن الفرّارين عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ؛ فرّ من الأزارقة وكان في عشرة آلاف ، وكان قد بعث إليه المهلّب : يا بن أخي ، خندق على نفسك وعلى أصحابك ، فإني عالم بأمر الخوارج ، ولا تغترّ . فبعث إليه : أنا أعلم بهم منك ، وهم أهون عليّ من ضرطة الجمل فبيّته قطريّ صاحب الأزارقة فقتل من أصحابه خمسمائة ، وفرّ لا يلوي على أحد . فقال فيه الشاعر :
تركت ولداننا تدمى نحورهم * وجئت منهزما يا ضرطة الجمل
ومن الفرارين أمية بن عبد اللّه بن خالد بن أسيد ؛ فرّ يوم مرداء هجر من أبي فديك ، فسار من البحرين إلى البصرة في ثلاثة أيام ، فجلس يوما بالبصرة فقال : سرت على فرسي « المهرجان » من البحرين إلى البصرة في ثلاثة أيام . فقال له بعض جلسائه : أصلح اللّه الأمير ، فلو ركبت « النّيروز » لسرت إليها في يوم واحد . فلما دخل عليه أهل البصرة لم يروا كيف يكلّمونه ، ولا ما يلقونه من القول ، أيهنّئونه أم يعزّونه ؛ حتى دخل عليه عبد اللّه بن الأهتم فاستشرف « 2 » الناس له ، وقالوا : ما عسى أن يقال للمنهزم ؟ فسلم ثم قال : مرحبا بالصابر المخذول ، الذي خذله قومه . الحمد للّه الذي نظر لنا عليك ولم ينظر لك علينا فقد تعرّضت للشهادة جهدك ، ولكن علم اللّه حاجة أهل الإسلام إليك ، فأبقاك لهم بخذلان من معك لك . فقال أمية بن عبد اللّه : ما وجدت أحدا أخبرني عن نفسي غيرك . وفيه يقول الشاعر :
هامش
( 1 ) النفقة : الموت ، ونفقت الماشية : هلكت . ( 2 ) استشرف الناس له توجّهت إليه الأبصار .
العقد الفريد — صفحة 127 | مفيد محمد قمحية / أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي