تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
مواضعه ، وكان الأحسن « يمرعن » من كثرة الدهن وقوله يلمعن بالضحى ، فإن كل شيء يلمع عند طلوع الشمس عليه ، وكان الأفصح فيه ، يلمعن في سواد الليل من كثرة الأصباغ ، وقوله وأسيافنا جمع قلة ، وهذا ليس من مواضعه وكان الأفصح ذكر جمع الكثرة كالسيوف ، وقوله « يقطرن » لأن القطرة قليلة حقيرة وكان الأفصح « يسلن » عوض يقطرن ، فعرفت بما ذكرناه أن الكلام متى عرى عن استعمال المبالغة كان مذموما نازل القدر ، فينحل من مجموع ما ذكرنا هاهنا معرفة ما يقبل في المبالغة وما يردّ ، وما يكون محمودا أو مذموما بما قررناه والله أعلم بالصواب .

الفائدة الثانية في ذكر طرق المبالغة

اعلم أن المبالغة إذا كانت مستعملة في الكلام مكسبة له رونقا وحلاوة ، فلا بد فيها من طريق يوصل إليها ، وجملة ما يذكر من ذلك طرق ثلاث :

الطريق الأولى أن يستعمل اللفظ في غير ما وضع له في الأصل

إما على جهة الاستعارة ، أو الكناية ، أو التمثيل ، على ما سبق تقريره في الأنواع المجازية ، فإنه إنما استعمل فيها على تلك الأوجه من أجل المبالغة في معناها ، فإن قولنا مررت بالرجل الأسد يخالف قولنا مررت بالرجل الشجاع البالغ في الشجاعة كل مبلغ ، وما ذاك إلا لما فيه من المبالغة بكونه مجازا ، وكما قال بعض الشعراء في وصف القرطاس :
ويرى الصحيفة حلبة وجيادها * أقلامه وصريرهنّ صهيلا
وكقول المتنبي :
بدت قمرا ومالت خوط بان * وفاحت عنبرا ورنت غزالا « 1 »
إلى غير ذلك من رقيق الاستعارة وبديعها .

الطريق الثانية أن ترادف الصفات

وتكون متكررة لإعظام حال الموصوف ورفع شأنه ، ومن أجل
هامش
( 1 ) البيت في الإيضاح ص 229 .
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 66 | يحيي بن حمزة العلوي اليمني / عبد الحميد هنداوي