الفائدة الثالثة في ذكر أنواع المبالغة
اعلم أن المبالغة ترجع حقيقة أمرها إلى دعوى المتكلم للوصف اشتدادا فيما سيق من أجله على مقدار فوق ما يسلّمه العقل ويستقر به ، ثم ذلك المقدار في نفسه إما أن يكون ممكنا أو غير ممكن ، والممكن إما أن يكون واقعا أو غير واقع ، فدعوى كون الوصف على مقدار مستبعد يصح وقوعه عادة ، يسمى مبالغة ، ودعوى كون الوصف على مقدار ممكن يمتنع وقوعه عادة ، يسمى إغراقا ، ودعوى كون الوصف على مقدار غير ممكن يسمى غلوّا ، فهذه ضروب ثلاثة نذكر ما يتوجه في كل واحد منها بمعونة الله تعالى .
الضرب الأول منها ما يستبعد في العقل ، لكن وقوعه صحيح وهو المبالغة ،
ومثاله قوله تعالى :
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
[ الإسراء : 24 ] وقوله تعالى :
فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
[ النحل : 112 ] فما هذا حاله معدود في المبالغة ، ولو قال عوض هذه المقالة تواضع لوالديك وللمؤمنين لرأيته خاليا عن ديباج البلاغة وعاريا عن ثوبها وكقول زهير :
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده * فلم يبق إلّا صورة اللحم والدّم « 1 »
فلقد بالغ فيما قاله حتى جعل حقيقة الإنسان إنما تكون بلسانه وقلبه ، وبهما يحصل تمييزه عن سائر الحيوانات ، ولو قال عوض هذا الكلام ، تميّز الإنسان عن أصناف الحيوان هو بقلبه ولسانه لعزل البلاغة عن سلطانها ، وأزالها عن رفيع محلها ومكانها ، وكقول ابن دريد :
والناس ألف منهم كواحد * وواحد كالألف إن أمر عنا
فانظر إلى مبالغته فيما ذكره من جعله ألفا من الناس كالواحد في الإغناء وأنهم مع كثرتهم بمنزلة واحد من الخلق ، وأن الواحد بمنزلة الألف في كونه كافيا عنهم ، كل ذلك مبالغة في مدح الواحد من الناس لما كان مغنيا عن الكثير لجمعه للأوصاف الجميلة والمحامد الحسنة ، وفي ذمه للكثير من الناس حيث كانوا في الإغناء لا يسدون مسد واحد وإن كانوا عدة كثيرة ، فهذه الأمثلة كلها دالة على المبالغة من غير إغراق ولا غلو ، وهو المحمود في المبالغة كما مر بيانه .
هامش
( 1 ) البيت في ديوان زهير بن أبي سلمى ص 78 .