الصنف الرابع عشر في بيان المنافرة بين الألفاظ ومراعاة حسن مواقعها
اعلم أن حسن التأليف وجودة السبك له موقع عظيم في البلاغة ، والفرق بين هذا الصنف والذي قبله ، هو أن المعاظلة آئلة إلى البعد عن تراكب الألفاظ وترادفها كما فصلنا أمثلته ، وهذا النوع ليس فيه تراكب ولا تداخل ، وإنما حاصله هو أن إيراد اللفظة غير لائق بموضعها التي وردت فيه فتورث في الكلام تنافرا ، وتكون بمنزلة نواة في عقد در ، وبعرة بين لآلئ إلى غير ذلك من المباينة ، فحاصل الأمر في المنافرة أن معناها وقوع الكلام غير ملائم لما قبله ولا مناسب له ، ثم هي في وقوعها في الكلام على وجهين :
الوجه الأول منهما أن يكون التنافر واقعا في كلمة واحدة ومثاله قول أبى الطيب المتنبي « 1 » :
لا يبرم الأمر الذي هو حالل * ولا يحلل الأمر الذي هو يبرم
فقوله : « حالل » ينبو الفهم عنها لكونها غير لائقة لأجل لفظها ؛ فأما معناها فهو مستقيم ، ولهذا فإنه لو أبدلها بقوله فلا يبرم الأمر الذي هو ناقض ولا ينقض الأمر الذي هو يبرم لكانت صحيحة غير نافرة ، فظهر بما قررناه أن النفار عنها إنما كان من أجل صيغتها وهو تفكيك الإدغام الذي كان فيها لا غير ، ولهذا فإن لفظة « يحلل » مخالف « لحالل » فإنه جاء الفك في الفعل المضارع كقوله تعالى :
وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي
[ طه : 11 ] والسر في ذلك هو أن حركة اللام في الاسم لازمة لأجل الإعراب ، فلهذا التزم إدغامه لأن الإدغام إنما يكون بساكن في متحرك ، بخلاف الفعل ، فإن حركة اللام غير لازمة لأجل الجازم ، فلهذا جاء فيه الفك ، وقد وضح ذلك بما ذكرناه لك أن تبديل « حالل » « بناقض » هو الوجه ، وأن حاللا ليس فصيحا كما قررناه ، وحكى عن المعرى أنه كان كثير الغرام بشعر أبى الطيب المتنبي ، وكان يسميه الشاعر ، ومن عداه يسميه باسمه ، وكان يقول ليس في شعره لفظة يكون غيرها أحسن منها ، وهذا لا وجه له ، فإن الحق أحق أن يتبع ، فإن الأفصح خلاف ما أتى به في هذا البيت كما أشرنا إليه ، ومن ذلك ما أنشده بعض الأدباء لدعبل :
شفيعك فاشكر في الحوائج إنه * يصونك عن مكروهها وهو يخلق
هامش
( 1 ) البيت في التبيان للعكبرى 2 / 369 .