تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 25

مساهمون:

ص٢٥
والرأل النعام ، والمراد ، هاهنا أن نفسه فزعت وعظم فرارها ، وشبهها في فزعها وفرارها بإسراع النعام إذا فزع وفر ، وهي إذا كانت مجازا فاستعمالها فعلا ، وإن كان مستكرها ، لكنه يخف قبحه ، لما كان مستعملا استعمال المجاز ، وإدراك ما ذكرناه من حسن الاستعمال وقبحه في كونها اسما أو فعلا ، يدرك بالذوق الصافي والقريحة المستقيمة عن شوائب البلادة ، وثانيها : قولنا « وذر ودع » فإنهما من جملة الأفعال ، ولا يستعملان في الأزمنة الماضية استغناء عنهما بقولنا ترك ، قال الله تعالى :
وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ( 17 )
[ البقرة : 17 ] فإذا استعملا في الماضي كان فيهما ركة ونزول عن الكلام الفصيح ، وهذا من غريب الاستعمال وبديعه ، أن يكون الماضي وإن كان أصلا لغيره من الأفعال ، بعيدا في الاستعمال ، وفي هذا دلالة على أن الفصيح لا يوجد بطريق الأصالة والفرعية ، وإنما طريقه كثرة الاستعمال والاطراد ، فأما استعمالهما على جهة الدلالة على الأزمنة المستقبلة ، إما مضارعا كقوله تعالى :
وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 110 )
[ الأنعام : 110 ] وقوله تعالى :
وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ
[ الأعراف : 127 ] وإما على جهة الأمر كقوله :
ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا
[ الحجر : 3 ] وهكذا الأمر في يدع ، فإنه يستعمل للمضارع كقوله عليه السلام لو مدّ لنا الشهر لو أصلنا وصالا يدع المتعمّقون له تعمقهم ، وفي الأمر كقول أمير المؤمنين متمثلا بقوله :
« دع عنك نهبا صيح في حجراته »
وكقول زهير :
« فدع ذا وعد القول في هرم »
فأما استعمالها على جهة المضي فلا يرد في كلام فصيح ، واستعمال « وذر » في الماضي أقبح من استعمال « ودع » ، وثالثها لفظة « الحبر » فإنها إذا وردت مجموعة أفصح من ورودها مفردة ، ولهذا لم تأت في القرآن إلا مجموعة كقوله تعالى :
إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ
[ التوبة : 34 ] وقوله تعالى :
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ
[ التوبة : 31 ] ولم ترد مفردة في القرآن فلا جرم حكمنا بأن موقعها في الجموع أحسن من موقعها في الإفراد ، ومفردها حبر بكسر الحاء وفتحها ، ورابعها عكس ذلك ، وهو أن يكون استعمالها مفردة أحسن من استعمالها مجموعة ، ومثاله لفظة « الأرض » فإنها لم ترد في القرآن إلا مفردة ، وجمعها إما على السلامة اللفظية كقولنا « أرضون » وإما على التكسير كأراض ، وقد يستعمل
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 25 | يحيي بن حمزة العلوي اليمني / عبد الحميد هنداوي