يجوز ذلك فإنه يطلب مرجحا لأحد المعنيين على الآخر ، فإن وجد مرجحا حمل عليه وكان المرجوح غير مقصود لله تعالى ، وإن لم يجد مرجحا وجب التوقف ، وهذا لا ينافي وصف القرآن بكونه بيانا ونورا وضياء من جهة أن وصف الكتاب بالبيان لا ينافي كون بعض آياته مفتقرا إلى البيان ، وقوله لا توجد فيه آية دالة على معنى إلا ويوجد فيه ما يعارض ذلك المعنى على المناقضة ، قلنا : إن كان للعقل فيها حكم وتصرف فالمقصود من الآية لله تعالى هو ما طابق العقل ، لأنه لا يمكن معارضة العقل فيما دل عليه ، وإن لم يكن للعقل فيه حكم كان الأمر فيه على ما ذكرناه في حكم التفاسير المختلفة ، فلا وجه لتكريره .
الجهة العاشرة في الطعن على القرآن من مخالفة اللغة العربية
وذلك من أوجه ثلاثة ، أما أولا فقوله تعالى :
إِنْ هذانِ لَساحِرانِ
[ طه : 63 ] والقياس فيه إن هذين لساحران ، وأما ثانيا فقوله تعالى :
وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً ( 22 )
[ نوح : 22 ] والقياس كبيرا ، لأن كبارا لم يعهد في لغة قريش ، وأما ثالثا فلأن الهمزة واردة في كتاب الله تعالى ، وليس من لغة قريش ، ووجه الاستدلال بما ذكرناه هو أن هذه الأمور الثلاثة غير واردة في لغة قريش ، والقرآن لا شك في كونه واردا على لغتهم ، لأن الله تعالى يقول :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ
[ إبراهيم : 4 ] وهو غير وارد على لغة قوم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لما ذكرناه .
والجواب عما زعموه من وجهين ، أما أولا فلأن المقاييس النحوية تابعة للأمور اللغوية ، فيجب تنزيلها على ما كان واقعا في اللغة ، فإذا ورد ما يخالف الأقيسة النحوية من جهة الفصحاء وجب تأويله ، ويطلب له وجه في مقاييس النحو ، ولا يجوز رده لأجل مخالفته للنحو ، ولهذا فإنه لما أنكر على الفرزدق ما يأتي من العويص في شعره المخالف لظاهر الإعراب عيب عليه في ذلك فقال على أن أقول ، وعليكم أن تحتجوا فدل ذلك على ما ذكرناه ، وأما ثانيا فلأنه لو كان لحنا كما زعموا ، لكان من أعظم المطاعن للعرب عليه ، لكونه مخالفا لما عليه أهل اللغة العالية فلما لم يثلموا فيه شيئا دل ذلك على أنه قد طابق اللغة وأنه لا مطعن فيه بحال ، قوله :
إِنْ هذانِ لَساحِرانِ
[ طه : 63 ] قلنا لأئمة العربية فيه تأويلات كثيرة قوية تخرجه عما زعمتموه من اللحن ، وقوله :
وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً ( 22 )
[ نوح : 22 ] وقلنا
كُبَّاراً
وإن لم يكن في لغة قريش ، لكنه وارد في لغة العرب ، فلا مطعن به لأنه فصيح ، وإن لم يكن أفصح ، فبطل ما توهموه ، وقوله الهمزة واردة في القرآن وليست من لغة قريش ، والقرآن وارد على لغتهم لقوله :
بِلِسانِ قَوْمِهِ
[ إبراهيم : 4 ]