المعنى بالجودة ، بأنه قريب جزل ، يسبق إلى الأذهان ، قبل أن يسبق إلى الآذان ، ولا يكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك ، حتى كأنه يدخل إلى الأذن بلا إذن ، وقد يذمونه بكونه ركيكا نازل القدر ، بعيدا عن العقول ، وهلم جرا إلى سائر ما ذكرناه من جهة المعنى على هذه المزايا موجودة فيه على أكمل شيء وأتمه ، فلله دره من كتاب اشتمل على علوم الحكمة وضم جوامع الخطاب ، وأودع ما لم يودع غيره من الكتب المنزلة من حقائق الإجمال ودقائق الأسرار المفصلة ، وإذا أردت أن تكحل بصرك بمرود التخييل والاطلاع على لطائف الإجمال والتفصيل ، فاتل قصة زكرياء عليه السلام ، وقف عندها وقفة باحث وهي قوله تعالى :
قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
[ مريم : 4 ] فإنك تجد كل جملة منها بل كل كلمة من كلماتها تحتوى على لطائف ، وليس في آي القرآن المجيد حرف إلا تحته سر ومصلحة فضلا عما وراء ذلك ، والكلام في تقرير تلك اللطائف الإجمالية ، وما يتلوها من الأسرار التفصيلية ، مقرر في معرفة حد الكلام وأصله ، وأن كل مرتبة من مراتب الإجمال متروكة في الآية وسياقها ، وجملة ما نورده من ذلك درجات عشر ، كل واحدة منها على حظ من الإجمال ، بعدها درجة أخرى على حظ من التفصيل ، حتى تكون الخاتمة هو ما اشتمل عليه سياقها المنظوم على أحسن نظام ، وصار واقعا في تتميم بلاغتها أحسن تمام .
الدرجة الأولى : نداء الخفية ، فإنه دال على ضعف الحال وخطاب المسكنة والذل حتى لا يستطيع حراكا وهو من لوازم الشيخوخة والهزال ، لما فيه من التصاغر للجلال والعظمة بخفض الصوت في مقام الكبرياء ، وعظم القدرة فهذه الجملة مذكورة كما قررناه ، وهي مناسبة لحاله ، ولهذا صدرها في أول قصته لما فيها من ملائمة الحال وهضم النفس ، واستصغارها ، وافتتاحها بذكر العبودية يؤكد ما ذكرناه ويؤيده .
الدرجة الثانية : كأنه قال ، يا رب إنه قد دنا عمرى وانقضت أيام شبابي ، فإن انقضاء العمر دال على الضعف ، والشيخوخة لا محالة ، لأن انقضاء الأيام والليالي هو الموصل إلى الفناء والضعف وشيب الرأس ، ثم إن هذه الجملة صارت متروكة لتوخى مزيد التقرير إلى ما هو أكثر تفصيلا منها مما يكون بعدها .
الدرجة الثالثة : كأنه قال قد شخت فإن الشيخوخة دالة على ضعف البدن وشيب الرأس ، لأنها هي السبب في ذلك لا محالة .