تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
للفصاحة من جهة أن الفصاحة المرجع بها إلى خلوص الكلام من التعقيد ، والبلاغة ترجع إلى مطابقة الكلام وحسن تأليفه ، وهذه كلها مقدورة لنا ، ولهذا بطل أن يكون الإعجاز حاصلا بها ، فإذن لا بد من أن يكون وجه الإعجاز متعلقا بقدره الله تعالى ، لأنه هو المتولى لصدق أنبيائه ، فكل ما كان من المعجزات لا يقدر كونه من جهته ، فإنه لا يكون فيه دلالة على صدق من ظهر عليه ، وإنما قلنا : 7 ن فيه دلالة على الصدق ، وهذا ظاهر لا يمكن إنكاره ، فإن القرآن من أبهر الأدلة على صدق صاحب الشريعة صلوات الله عليه ، فلو كان وجه إعجازه هو الفصاحة لم يكن فيه دلالة على الصدق ، لأن الفصاحة والبلاغة المرجع بهما إلى انتظام الكلام على وجه مخصوص لا مزيد عليه ، وما من وجه من وجوه النظم إلا وهو مقدور للعباد بكل حال ، وهذا يبطل كونه دالا على صدقه ، وقد تقرر كونه دليلا على الصدق ، فبطل كون إعجازه هو الفصاحة . وجوابه أنا قد قررنا أن الوجه في إعجازه هو الفصاحة والبلاغة مع النظم بما لا مطمع في إعادته . قوله لو كانت الفصاحة وجها في إعجازه لما كان له دلالة على الصدق ، قلنا : هذا فاسد فإن النظم وإن كان مقدورا لنا ، لكنه قد يقع على وجه لا يمكن كونه مقدورا لنا ولهذا فإن العلم مقدور لنا ، والفعل من جنس العلوم ، وقد استحال كونها مقدورة للعباد ، لما كانت واقعة على وجه يستحيل وقوعه في حق العباد ، فإن جنس الحركة مقدور لنا ، وحركة المرتعش وإن كانت من جنس الحركة ، لكنها لما وقعت على وجه يتعذر على العباد جاز الاستدلال بها على الله تعالى ، فهكذا حال البلاغة ، فإنها وإن كانت من قبيل النظم والتأليف . وهو مقدور لنا ، لكنه لما وقع على وجه يتعذر تحصيله من جهتنا ، كان دليلا على الصدق من هذه الجهة ، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن القرآن دال على صدق من ظهر على يده ، وما ذاك إلا لكونه مختصا بالوقوع من جهة الله تعالى مع كون جنسه من مقدور العباد ، وفيه دلالة على صدقه كما نقوله في سائر المعجزات الدالة على صدقه ، وإن لم يكن لها تعلق بمقدور العباد ، كإطعام الخلق الكثير ، من الطعام اليسير ، ونبوع الماء من بين أصابعه ، إلى غير ذلك من المعجزات الباهرة له عليه الصلاة والسلام . السؤال الثالث : هو أن الصحابة رضي الله عنهم لما اهتموا بجمع القرآن بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكانوا يطلبون الآية ، والآيتين ، ممن كان يحفظها منهم ، فإن كان الراوي مشهور