تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩

تنبيه

نجعله خاتمة للكلام في الوجه الذي لأجله حصل الإعجاز ، اعلم أن القرآن إنما صار معجزا لكونه دالا على تلك المحاسن والمزايا التي لم يختص بها غيره من سائر الكلام ، ولا يجوز أن تكون راجعة إلى الدلالات الوضعية ، سواء كانت باعتبار دلالتها على معانيها الوضعية ، أو مجردة عنها ، وقد ذهب إلى ذلك أقوام . وهو فاسد لأمرين ، أما أولا : فلأن الكلمة الواحدة قد تكون فصيحة إذا وقعت في محل ، وغير فصيحة إذا وقعت في محل آخر ، فلو كان الأمر في الفصاحة والبلاغة راجعا إلى مجرد الألفاظ الوضعية ، لما اختلف ذلك بحسب اختلاف المواضع ، وأما ثانيا فلأن الاستعارة ، والتشبيه ، والتمثيل ، والكناية ، من أعظم قواعد الفصاحة وأبلغها . وإنما كانت كذلك باعتبار دلالتها على المعاني لا باعتبار ألفاظها . فصارت الدلالة على وجهين : الوجه الأول دلالة وضعية ، وهذه لا تعلق لها بالبلاغة والفصاحة كما مهدنا طريقه ، وثانيهما الدلالة المعنوية ، ودلالتها إما بالتضمن ، أو بالالتزام ، وهما عقليان من جهة أن حاصلهما ، هو انتقال الذهن من مفهوم اللفظ إلى ما يلازمه ، ثم تلك الملازمة إما أن تكون دلالة على جزء المفهوم ، أو تكون دلالة على معنى يصاحب المفهوم ، فالأول هو الدلالة التضمنية ، والثاني هو الدلالة الخارجية وهما جميعا من اللوازم ، ثم إن تلك اللوازم تارة تكون قريبة ، وتارة تكون بعيدة ، فمن أجل ذلك صح تأدية المعاني بطرق كثيرة ، بعضها أكمل من بعض ، وتارة تزيد ، ومرة تنقص ، فلأجل هذا اتسع نطاق البلاغة وعظم شأنه ، وارتفع قدره وعلا أمره ، فربما علا قدر الكلام في بلاغته حتى صار معجزا لا رتبة فوقه ، وربما نزل الكلام حتى صار ليس بينه وبين نعيق البهائم إلا مزية التأليف والتركيب ، وربما كان متوسطا بين الرتبتين ، وقد يوصف اللفظ بالجودة ، لكونه متمكنا في أسلات الألسنة غير ناب عن مدارجها ، ولا قلق على سطح اللسان ، جيدا سبكه صحيحا طابعه ، وأنه في حق معناه من غير زيادة عليه ولا نقصان عنه ، وقد يذمونه بنقائض هذه الصفات بأنه معقد جرز ، وأنه لتعقيده استهلك المعنى ، يمشى اللسان إذا نطق به كأنه مقيد ، وحشى ، نافر ، نازل القدر ، طويل الذيول من غير فائدة ، ولا معنى تحته ، وقد يصفون
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 229 | يحيي بن حمزة العلوي اليمني / عبد الحميد هنداوي