تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
الأيام لا يعرف شيئا من تلك اللغة ، لكان ذلك دليلا على فساد عقله وتغيره ، والمعلوم من حال العرب أن عقولهم ما زالت بعد التحدي بالقرآن وأن حالهم في الفصاحة والبلاغة بعد نزوله كما كان من قبل ، فبطل ما عول عليه أهل الصرفة ، وكلامهم يحتمل أكثر مما ذكرناه من الفساد ، وله موضع أخص به ، فلا جرم اكتفينا هاهنا بما أوردناه .

المذهب الثاني قول من زعم أن الوجه في إعجازه إنما هو الأسلوب ،

وتقريره أن أسلوبه مخالف لسائر الأساليب الواقعة في الكلام ، كأسلوب الشعر ، وأسلوب الخطب والرسائل ، فلما اختص بأسلوب مخالف لهذه الأساليب ، كان الوجه في إعجازه ، وهذا فاسد لأوجه ، أولها أنا نقول : ما تريدون بالأسلوب الذي يكون وجها في الإعجاز ، فإن عنيتم به أسلوبا أي أسلوب كان ، فهو باطل ، فإنه لو كان مطلق الأسلوب معجزا لكان أسلوب الشعر معجزا ، وهكذا أسلوب الخطب والرسائل ، يلزم كونه معجزا ، وإن عنيتم أسلوبا خاصا ، وهو ما اختص به من البلاغة والفصاحة ، فليس إعجازه من جهة الأسلوب ، وإنما وجه إعجازه الفصاحة والبلاغة كما سنوضحه من بعد هذا عند ذكر المختار ، وإن عنيتم بالأسلوب أمرا آخر غير ما ذكرناه فمن حقكم إبرازه حتى ننظر فيه فنظهر صحته أو فساده ، وثانيها أن الأسلوب لا يمنع من الإتيان بأسلوب مثله ، فلو كان الأمر كما زعمتموه ، جازت معارضة القرآن بمثله ، لأن الإتيان بأسلوب يماثله سهل ويسير على كل أحد ، وثالثها أنه لو كان الإعجاز إنما كان من جهة الأسلوب لكان ما يحكى عن « مسيلمة » الكذاب معجزا وهو قوله : إنا أعطيناك الجواهر ، فصل لربك وجاهر ، وقوله : والطاحنات طحنا ، والخابزات خبزا ، لأن ما هذا حاله مختص بأسلوب لا محالة ، فكان يكون معجزا ، وأنه محال ، ومن وجه رابع ، وهو أنه لو كان وجه إعجازه الأسلوب ، لما وقع التفاوت بين قوله تعالى :
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
[ البقرة : 179 ] وبين قول الفصحاء من العرب « القتل أنفى للقتل » لأنهما مستويان في الأسلوب ، فلما وقع التفاوت بينهما دل على بطلان هذه المقالة والله أعلم .