تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨

المبحث الثاني في إبطال كل واحد من هذه الأقسام التي ذكرناها سوى ما نختار منها

وجملة ما نذكره من ذلك مذاهب :

المذهب الأول منها الصرفة

وهذا هو رأى أبي إسحاق النظام ، وأبي إسحاق النصيبي ، من المعتزلة واختاره الشريف المرتضى من الإمامية ، واعلم أن قول أهل الصرفة يمكن أن يكون له تفسيرات ثلاثة ، لما فيه من الإجمال وكثرة الاحتمال كما سنوضحه . التفسير الأول أن يريدوا بالصرفة أن الله تعالى سلب دواعيهم إلى المعارضة ، مع أن أسباب توفر الدواعي في حقهم حاصلة من التقريع بالعجز ، والاستنزال عن المراتب العالية ، والتكليف بالانقياد والخضوع ، ومخالفة الأهواء . التفسير الثاني أن يريدوا بالصرفة أن الله تعالى سلبهم العلوم التي لا بد منها في الإتيان بما يشاكل القرآن ويقاربه ، ثم إن سلب العلوم يمكن تنزيله على وجهين ، أحدهما أن يقال : إن تلك العلوم كانت حاصلة لهم على جهة الاستمرار ، لكن الله تعالى أزالها عن أفئدتهم ومحاها عنهم ، وثانيهما أن يقال : إن تلك العلوم ما كانت حاصلة لهم ، خلا أن الله تعالى صرف دواعيهم من تجديدها ، مخافة أن تحصل المعارضة . التفسير الثالث أن يراد بالصرفة أن الله تعالى منعهم بالإلجاء على جهة القسر عن المعارضة ، مع كونهم قادرين وسلب قواهم عن ذلك ، فلأجل هذا لم تحصل من جهتهم المعارضة ، وحاصل الأمر في هذه المقالة : أنهم قادرون على إيجاد المعارضة للقرآن ، إلا أن الله تعالى منعهم بما ذكرناه ، والذي غر هؤلاء حتى زعموا هذه المقالة ، ما يرون من الكلمات الرشيقة ، والبلاغات الحسنة ، والفصاحات المستحسنة ، الجامعة لكل الأساليب البلاغية في كلام العرب الموافقة لما في القرآن ، فزعم هؤلاء أن كل من قدر على ما ذكرناه من تلك الأساليب البديعة ، لا يقصر عن معارضته ، خلا ما عرض من منع الله إياهم بما ذكرناه من الموانع ، والذي يدل على بطلان هذه المقالة براهين . البرهان الأول منها : أنه لو كان الأمر كما زعموه ، من أنهم صرفوا عن المعارضة مع تمكنهم منها ، لوجب أن يعلموا ذلك من أنفسهم بالضرورة ، وأن يميزوا بين أوقات
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 218 | يحيي بن حمزة العلوي اليمني / عبد الحميد هنداوي