تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
وهذا فاسد لأمرين ، أما أولا فلأن أكثر كلام الناس خال عن التعقيد في الشعر والخطب ، والرسائل ، فيلزم كونها معجزة ، وأما ثانيا فلأنه لو كان الأمر كما زعموه لم يفترق الحال بين قوله تعالى :
وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ ( 32 ) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 33 ) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ ( 34 )
[ الشورى : 32 - 34 ] وبين قول من قال : وأعظم العلامات الباهرة جرى السفن على الماء ، فإما أن يريد هبوب الريح فتجرى بها ، أو يريد سكون الريح فتركد على ظهره ، أو يريد إهلاكها بالإغراق بالماء ، لأن ما هذا حاله من المعارضة سالم عن التعقيد ، فكان يلزم أن يكون هذا الكلام معارضا للآية ، لاشتراكها في الخفة والبراءة عن الثقل والتعقيد ، ومن وجه ثالث وهو أنه كان يلزم أن لا يقع تفاوت بين قوله تعالى :
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
[ البقرة : 179 ] وبين قول العرب « القتل أنفى للقتل » لاشتراكهما جميعا في السلامة عن الثقل وهذا فاسد .

المذهب السادس قول من زعم أن الوجه في الإعجاز إنما هو اشتماله على الحقائق وتضمنه للأسرار والدقائق التي لا تزال غضة طرية على وجه الدهر ، وما تنال لها غاية ، ولا يوقف لها على نهاية ، بخلاف غيره من الكلام ، فإن ما هذا حاله غير حاصل فيه ،

فلهذا كان وجه إعجازه ، وهذا فاسد أيضا لأمرين ، أما أولا فلأن الأصل في وجه الإعجاز أن يكون القرآن متميزا به لا يشاركه فيه غيره ، وما ذكرتموه من هذه الخصلة فإنها مشتركة ، وبيانه هو أنا نرى بعض من صنف كتابا في العلوم الإسلامية واعتنى في قبضه واختصاره ، فإن من بعده لا يزال يجتبى منه الفوائد في كل وقت ويستنبطها من ألفاظه وصرائحه كما نرى ذلك في الكتب الأصولية والكتب الدينية والفقهية ، وسائر علوم الإسلام ، وإذا كان الأمر كما قلناه وجب الحكم بإعجازها وهم لا يقولون به ، وأما ثانيا فلأن قوله تعالى :
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
[ البقرة : 163 ] وقوله تعالى
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
[ محمد : 19 ] وقوله تعالى :
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( 1 )
[ الإخلاص : 1 ] صريحة في إثبات الوحدانية لله تعالى بظاهرها وصريحها ، وما عدا ذلك من المعاني لا يخلو حاله ، إما أن يستقل العقل بدركه أولا يستقل بدركه ، فإن استقل بدركه فقد أحاط به كغيره من سائر الكلام ، فلا تفرقة بينه وبين غيره ، وإن كان لا يستقل العقل بدركه ، فذلك هو الأمور الغيبية ، وهي باطلة بما أسلفناه على