النوع الثالث المساواة
هي في مصطلح فرسان البيان عبارة عن تأدية المقصود بمقدار معناه من غير زيادة فيه ولا نقصان عنه ، ثم إنها جارية على وجهين ، أحدهما أن يكون مساواة مع الاختصار ، وهذا نحو أن يتحرى البليغ في تأدية معنى كلامه أوجز ما يكون من الألفاظ القليلة الأحرف ، والكثيرة المعاني ، التي يتعسر تحصيلها على من دونه في البلاغة ، ومن هذا قوله تعالى :
هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ ( 60 )
[ الرحمن : 60 ] وقوله تعالى :
وَهَلْ نُجازِي
« 1 »
إِلَّا الْكَفُورَ ( 17 )
[ سبأ : 17 ] فهذه أحرف قليلة تحتها فوائد غزيرة ، ونكت كثيرة ، فهذا نوع من المساواة ، وثانيهما أن يكون المقصود المساواة من غير تحرّ ولا طلب اختصار ، ويسمى « المتعارف » والوجهان محمودان في البلاغة جميعا ، خلا أن الأول أدل على البلاغة وأقوى على تحصيل المراد ، ولهذا فإنك ترى أهل البلاغة متفاوتين في ذلك ، فأعظمهم قدرا فيها من كان يمكنه تأدية مقصوده في أخصر لفظ وأقله ، وهذا لا يكون إلا لمن كان له موقع فيها بحيث يمكنه التقصير والاختصار في لفظ قليل ، ولنقتصر على هذا القدر من العلوم المعنوية ، ففيه كفاية للمطلوب ، فأما التقديم ، والتأخير ، والتعريف ، والتنكير ، والإظهار ، والإضمار ، في المسند والمسند إليه ، فهو وإن كان جزءا من العلوم المعنوية ، لكنا قد أوردناه في الإسناد ، وذكرنا هذه الأحوال ، وأظهرنا التفرقة بينها ، وقررنا الوجه الذي لأجله جيء بها ، فلهذا كان ذكرها هناك مغنيا عن الإعادة والله أعلم .
هامش
( 1 ) راجع الهامش السابق .