دقيقة
اعلم أن الخبر والإنشاء متضادان ، لأن الخبر ما كان محتملا للصدق والكذب ، والإنشاء ما ليس يحتمل صدقا ولا كذبا ، فلا يجوز في صيغة واحدة أن تكون حاملة إنشاء وخبرا ، لما ذكرناه من التناقض بينهما ، نعم قد ترد صيغة الخبر والمقصود بها الإنشاء ، إما لطلب الفعل ، وإما لإظهار الحرص على وقوعه ، وهذا كقوله تعالى :
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ
[ البقرة : 233 ] ونحو قوله تعالى :
وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً
[ آل عمران : 97 ] فليس واردا على جهة الإخبار فيهما جميعا ، لأنه يلزم منه الكذب ، وهو محال في كلامه تعالى ، لأن كثيرا من الوالدات لا ترضع الحولين ، بل تزيد وتنقص ، وهكذا قد يدخل البيت من هو خائف ، فلهذا وجب تأويله على جهة الإنشاء ، والمعنى فيه ، لترضع الوالدات أولادهن حولين على جهة الندب والإرشاد إلى المصالح ، وهكذا قوله :
وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً
معناه ليأمن من دخله ، ومخالفة الأوامر لا فساد فيها ، ولا يلزم عليه محال ، بخلاف الأخبار فإنه يلزم من مخالفتها الكذب ، ولا يرد الإنشاء ، ويكون في معنى الخبر إلا على جهة الندرة في مثل قولك : وجدت الناس « اخبر تقله » أي وجدت الناس يقال عندهم هذا القول ، والسر في ذلك هو أن الإنشاء إذا ورد بمعنى الخبر فليس فيه مبالغة ، بخلاف عكسه ، فإنه يفيد المبالغة ، وهو الدوام والاستمرار كما مثلناه في الآيتين اللتين تلوناهما ، وتحت هذه الأمور التي ذكرناها من هذا القسم في المسائل الخبرية والطلبية ، من المعاني القرآنية ، والأسرار التنزيلية ، مما يكون متعلقا بفن المعاني ما لا يحصى عده ، ولا يحصر حده ، يدريه كل ألمعىّ نحرير ، ويفهمه كل ذكى بصير ، ولا يزداد على كثرة الرد والمطالعة إلا وضوحا وتقريرا .