تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤

الحالة الثانية : حذفه ،

وهو يكون على أوجه ثلاثة ، أولها

[ الوجه الأول ] أن يكون جوابا

كقولك : من جاءك ، فتقول زيد ، أي جاءني زيد ، وإنما جاز حذفه لأجل القرينة الحالية ، فلأجل هذا كانت مغنية عن ذكره ، قال الله تعالى :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
[ الزمر : 38 ] وتقديره خلقهن الله ، وقال تعالى :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
[ العنكبوت : 63 ] والمعنى نزله الله فهذان الفعلان قد حذفا ، اتكالا على القرينة الدالة عليهما

[ الوجه الثاني ] وثانيها أن يكون المسلط على حذفه هو كثرة الاستعمال مع قيام حرف الجر مقامه ،

ومثال ذلك قولنا « بسم الله » فإنه إنما يذكر للتبرك عند كل فعل من الأفعال ، فإن الفعل هاهنا يكون محذوفا ، لما ذكرناه من الكثرة ، وهكذا في مثل قولهم « بالرفاء والبنين » دعاء للعرس ، والمعنى نكحت ، أو تزوجت بالرفاء والبنين ،

[ الوجه الثالث ] وثالثها أن يكون هناك ما يدل على الفعل المحذوف ،

مما يشعر بالفعل ، كحرف الشرط في نحو قولهم « إن ذو لوثة لأنا » والمعنى إن لان ذو لوثة لأنا ، وقولهم « لو ذات سوار لطمتنى » والتقدير لو لطمتنى ذات سوار ، قال الله تعالى :
قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي
[ الإسراء : 100 ] لأن التقدير فيه : لو تملكون ، فلما حذف الفعل انفصل الضمير لا محالة ، وقوله تعالى :
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ
[ النساء : 176 ] أي هلك امرؤ هلك ، والذي جرّا على حذفه هو دلالة حرف الشرط عليه ، لأن الشرط إنما يتصل بالفعل لا غير ويختص به .

الحالة الثالثة : تعلق الشرط به ،

واعلم أن جميع الشروط كلها مختصة بالأفعال ، لأنها تتجدد ، والأفعال متجددة ، فلا جرم ناسب معناها الفعل فاختصت به ، فإن الشرطية ، لا تقع إلا في المواضع المحتملة المشكوك فيها ، قال الله تعالى :
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها
[ الأنفال : 61 ] وقال تعالى :
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ
[ فاطر : 4 ] وقال تعالى :
فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ
[ المائدة : 42 ] فإن استعملت في مقام القطع ، فإما أن يكون على جهة التجاهل وأنت قاطع بذلك الأمر ، ولكنك ترى أنك جاهل به ، وإما على أن المخاطب ليس قاطعا بالأمر ، وإن كنت قاطعا به ، كقولك لمن يكذبك فيما تقوله وتخبر به : إن صدقت فقل لي ما ذا تفعل ، وإما لتنزيل المخاطب منزلة الجاهل ، لعدم جريه على موجب العلم ، وهذا كما يقول الأب لابن لا يقوم بحقه : إن كنت أباك فاحفظ لي صنيعي فيك .