تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
أحد التأويلين تعضده قراءة أخرى وجب حملها على التأويل المعضود بقراءة أخرى ، ولا يكون . شركاءكم عطفا ، لأنه لا يقال أجمعت شركائي وإنما يقال أجمعت أمرى ، لأن معنى أجمع الأمر ، نواه وعزم عليه ، وحذف الفعل كثير في القرآن وحذفه إنما يكون على جهة الإيجاز بالحذف من أجل البلاغة .

الصورة الثانية : [ حذف الفاعل ] ،

وحذفه إنما يكون إذا دلت عليه دلالة ، وقد منع الشيخ عثمان بن جنى من النحاة حذف الفاعل ، ونص على استحالة ذلك ، والمختار هو المنع من حذفه من غير دلالة تدل عليه حالية أو مقالية ، فأما مع القرينة ، فلا يمتنع جوازه ، ويدل على حذفه قوله تعالى :
كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ ( 26 )
[ القيامة : 26 ] فحذف فاعل بلغت والغرض النفس ، وليس مضمرا لأنه لم يتقدم له ظاهر يفسره ، وإنما دلت القرينة الحالية عليه ، لأنه في ذكر الموت ولا يبلغ التراقى عند الموت إلّا النفس ، وقوله تعالى :
لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ
[ الأنعام : 94 ] في قراءة من قرأ بينكم بالنصب ، والمراد لقد تقطّع الأمر بينكم ، وقوله تعالى :
ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ( 35 )
[ يوسف : 35 ] والغرض ثم بدا لهم أمر ، وقول حاتم « 1 » .
أماوىّ ما يغنى الثّراء عن الفتى * إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر
ومنه قول العرب « أرسلت المطر » والمراد أرسلت السماء المطر ، وهذه الكلمة إنما تقال عند نزول المطر ، فدل ظاهر القرينة الحالية على ذلك ، فإذن لا وجه لكلام ابن جنى في المنع من حذف الفاعل مع هذه الشواهد .

الصورة الثالثة : [ حذف المفعول ] ،

والحذف فيه قد يكون على وجهين ، أحدهما أن يحذف على جهة الاطّراد ، وينسى فعله ، ويجعل كأنه من جملة الأفعال اللازمة ، لأن الغرض هو ذكر الفعل دون متعلّقه ، ومن هذا قولهم فلان يعطى ويمنع ، ويصل ويقطع ، ويحل ويعقد ، وينقض ويبرم ، وينفع ويضر ، فلما كان المقصود ذكر الفعل على جهة الإطلاق لم يحتج إلى ذكر مفعوله ومتعلّقه ، وعلى هذا ورد قوله تعالى :
وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى ( 43 ) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا ( 44 )
[ النجم : 43 - 44 ] وثانيهما أن يحذف من جهة اللفظ ويراد من طريق المعنى والتقدير ، وهذا كقوله تعالى في قصة موسى مع بنتي شعيب ، فإنه حذف المفعول في
هامش
( 1 ) البيت لحاتم الطائي في ديوانه / 199 ، والأغانى 17 / 295 ، وجمهرة اللغة ص 1034 ، 1133 ، ولسان العرب 13 / 332 ( قرن ) ، وهمع الهوامع 1 / 65 .