القسم الثاني في بيان [ الإيجاز بحذف المفردات ]
اعلم أن الإيجاز بحذف المفردات أوسع مجالا من حذف الجمل ، لأن المفردات أخف في الاستعمال ، فلهذا كثر فيها ، ويضبطه في غرضنا أنواع سبعة .
النوع الأول منها [ حذف الفعل وما يتعلق به ]
من فاعله ، ومفعوله ، وكل واحدة من هذه قد تطرّق إليها الحذف على حياله ، فهذه صور ثلاث ، نذكر ما يتعلق بالكلام فيها .
الصورة الأولى [ حذف الفعل بانفراده ]
إما على أن يبقى فاعله دليلا عليه ، وهذا كقوله تعالى :
وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا
[ الحجرات : 5 ] أعنى ولو ثبت أنهم صبروا ، كقوله تعالى :
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ
[ التوبة : 6 ] والتقدير فيه ، وإن استجارك أحد من المشركين ، وغير ذلك ، وإما على أن يبقى مفعوله دليلا عليه وهذا كقولهم : « أهلك والليل » أي بادر أهلك ، وبادر الليل أن يحول بينك وبينهم ، وكقوله تعالى :
فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها ( 13 )
[ الشمس : 13 ] الغرض احذروا ناقة الله ، وما جاء في حديث جابر رضي الله عنه لما سأله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هل تزوجت ، فقال له « نعم » فقال : بكرا أم ثيبا ، فقال بل ثيب فقال : « هلّا بكرا تلاعبها وتلاعبك » ومن حذف الفعل حذفا لازما في المصادر كقولك : حمدا وشكرا ، وما ذاك إلّا لأنهم جعلوا هذه المصادر عوضا عن أفعالها ، فلا جرم التزموا حذفها معا ، وهذا يكون على طريقة السماع ، ومن حذف الفعل على جهة القياس ما ورد على جهة التشبيه كقولك : مررت به فإذا له صوت صوت حمار وصراخ صراخ الثكلى ، وما ورد على جهة التثنية كقولك : « لبيك ، وسعديك ودواليك » ، إلى غير ذلك من المصادر المثنّاة ، إلى غير ذلك من الأمور القياسية ، وقد فصلناها تفصيلا شافيا في شرحنا لكتاب المفصّل ، ومن حذف الفعل قوله تعالى :
يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ
[ الإسراء : 71 ] لأنه لما قال :
وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا ( 70 )
[ الإسراء : 70 ] كأن قائلا قال متى يكون التفضيل الأكثر ، قيل يوم ندعو كل أناس ، ومن حذف الفعل قوله تعالى :
فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ
[ يونس : 71 ] والتقدير فيه وادعوا شركاءكم ، ويؤيد ما قلناه قراءة أبىّ فأجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم وإذا كان هاهنا قراءة لها تأويلان ، وكان