والتقدير فيه أنه يتجنب الآثام فإذا تجنبها فقد أتى بحسنة ثم يخاف أن لا تكون تلك الحسنة مقبولة ، فكأنما حسناته آثام . فلم يخف الحسنة لكونها حسنة ، وإنما خاف ما يتصل بها من الرد فكأنها مخوفة كما تخاف الآثام ، وهذا يأتي على طبق الآية ووفقها ، وهذا من بديع الأسرار والمعاني التي فاق بها على نظرائه أبو تمام وابن هانئ ، وحكى عن ابن الأثير أنه سئل عن هذا البيت ، وقيل كيف تكون حسناته آثاما ، وكيف ينطبق صدر البيت على عجزه فتحير فيه ثم فكر ، ونزّله على ما ذكرناه .
الضرب الرابع : ما ليس من قبيل الاستئناف ، ولا من جهة التسبب ، ولا من الحذف على شريطة التفسير
، وهذا في القرآن كثير الورود ، وخاصة في سورة يوسف ، فإنها مشتملة على الإيجاز البالغ بالحذف وغيره ، ومنها قوله تعالى :
قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ
[ يوسف : 47 ] إلى قوله :
وَفِيهِ يَعْصِرُونَ 49
[ يوسف : 49 ] ثم قال :
وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي
[ يوسف : 50 ] فإنه قد حذف من هذا الكلام جملة مفيدة ، تقديرها فرجع الرسول إليهم فأخبرهم بمقالة يوسف فعجبوا لها ، أو فصدقوه عليها ، وقال الملك ائتوني به ، وفي قصة . بلقيس . في قوله :
اذْهَبْ بِكِتابِي هذا
[ النمل : 28 ] إلى قوله :
فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ ( 28 )
[ النمل : 28 ] ثم قال بعد ذلك :
قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ ( 29 )
[ النمل : 29 ] وفي هذا حذف ، تقديره فأخذ الكتاب فذهب به ، فلما ألقاه إلى بلقيس وقرأته ، قالت يا أيها الملأ إني ألقى إلى كتاب كريم . ومما ورد على هذا المعنى قول أبى الطيب المتنبي « 1 » :
لا أبغض العيس لكني وقيت بها * قلبي من الهم أو جسمي من السقم
وهذا البيت فيه محذوف ، تقديره لا أبغض العيس لما يلحقني بسببها من ألم السفر ومشقته ، ولكن وقيت به كذا وكذا ، وهو من الشعر الذي يحير الأفهام عجبا ، ويهز الأعطاف طربا ، ومن الحذف قول القائل « الله أكبر » لأن التقدير الله أكبر من كل شيء ، وعلى هذا ورد قول البحتري :
الله أعطاك المحبّة في الورى * وحباك بالفضل الذي لا ينكر
ولأنت أملأ في العيون لديهم * وأجلّ قدرا في الصدور وأكبر
فالتقدير فيه أملأ في العيون من غيرك ، وأجلّ ، وأكبر ممن سواك ، والحذف في الجمل واسع ، وفيما ذكرناه كفاية في التنبيه على غيره .
هامش
( 1 ) البيت للمتنبى في ديوانه 2 / 259 ، ورواية الديوان « قلبي من الحزن » .