حتى إذا استنشقت ريحي وأعجبها * وكنت في خلوة حوّلت إنسانا « 1 »
لا تعذلوني فإني من تذكّرها * نشوان هل يعذل الصّاحون نشوانا ] « 2 »
وهذا « 3 » معنى بديع لم يسبقه إليه أحد . وهذه قصيدة طويلة ، وقد قدمنا في كتابنا هذا أنا نروم الإيجاز والاختصار .
ومما يستحسن من شعره أيضا وهو المعنى الذي لم يسبق إليه :
لم يطل ليلى ولكن لم أنم * ونفى عني الكرى طيف ألم « 4 »
فاهجر الشوق إلى رؤيتها * أيّها المهجور إلا في الحلم
حدّثيني عن كتاب جاءني * منك بالذّم وما كنت أذم
أتقرّأت على وجدي بكم * أم توهّمت أديمي قد حلم « 5 »
أصدودا بعد ما استهويتني * فيم ذا يا قرّة العين ولم « 6 »
فلك اللّه بأن أعتبكم * ثم لا أعتب فيكم من رغم « 7 »
فهذا شعر كما ترى أرقّ من النسيم ، وأعذب من الماء الزلال ، وهو مع ذلك كأنه يلعب به من جودة طبعه ، وقرب مآخذه ، وسهولة لفظه ، مع المعاني البديعة التي يقصر عنها الشعراء .
ومن مستحسن شعره رائيته العجيبة البديعة المعاني الرفيعة المباني :
رأيت صحابتي بخناصرات * حمولا بعد ما متع النّهار « 8 »
هامش
( 1 ) الخلوة : الانفراد بالنفس في مكان .
( 2 ) لا تعذلوني : لا تلوموني - النشوان : السكران .
( 3 ) اعتبر ابن المعتزّ قول لبشار : يا قوم أذني . . . الخ من المعاني المستحدثة لأن أحدا لم يسبقه إليه ، فهو أوّل من طرق هذا المعنى وكشف فيه عن شاعرية فذّة وخيال بديع .
( 4 ) الكرى : النوم - وقوله : نفى عني الكرى : أي حجب النوم عن عيني - الطيف : الخيال وألمّ به الطيف : زاره .
( 5 ) الأديم : الجلد - قد حلم ( أي الجلد ) : فسد وحلّ به الدود وتشعّب .
( 6 ) الصدود : الجفاء والهجر والقطيعة - استهويتني : استهواه : ذهب بهواه وعقله وحيّره .
( 7 ) أعتبكم : أزيل عتبكم ، أرضيكم وأزيل ما يغضبكم - رغم : من رغم الشيء : كرهه .
( 8 ) خناصرات : خناصرة : بليدة من أعمال حلب بمحاذاة قنسرين نحو البادية ، وهي قصبة كورة الأحصّ وقد بنى هذه البلدة الصغيرة خناصرة بن عمرو بن الحارث بن كعب . . بن كنانة ، ملك الشام ، وقوله : خناصرات بالجمع للضرورة الشعريّة .