كأنّ مثار النّقع فوق رؤوسنا * وأسيافنا ليل تهاوت كواكبه
وأرعن يعشي الشمس لون حديده * وتخلس أبصار الكماة كتائبه « 1 »
تغصّ به الأرض الفضاء إذا غدا * تزاحم أركان الجبال مناكبه
تركنا به كلبا وقحطان تبتغي * مجيرا من الهبل المطلّ مغالبه « 2 »
وكان بشّار يعدّ في الخطباء والبلغاء . ولا أعرف أحدا من أهل العلم والفهم دفع فضله ولا رغب عن شعره . وكان شعره أنقى من الراحة « 3 » وأصفى من الزجاجة « 4 » وأسلس « 5 » على اللسان من الماء العذب . ومما يستحسن من شعره - وإن كان كلّه حسنا - قوله :
أمن تجنّي حبيب راح غضبانا * أصبحت في سكرات الموت سكرانا « 6 »
لا تعرف النّوم ، من شوق إلى شجن * كأنّما لا ترى للنّاس أشجانا
أودّ من لم ينلني من مودّته * إلا سلاما يردّ القلب حيرانا « 7 »
يا قوم أذني لبعض الحيّ عاشقة * والأذن تعشق قبل العين أحيانا « 8 »
[ يا ليتني كنت تفّاحا مفلّجة * أو كنت من قضب الرّيحان ريحانا « 9 »
هامش
( 1 ) الأرعن ( هنا ) : الجيش والأرعن أيضا الجبل ذو الرعان ، جمع رعن وهو أنف الجبل والأرعن أيضا الأحمق - يعشي : يعمي - حديده : أي ما فيه من العدّة والسلاح - تخلس أبصار الكماة :
تسلبها باحتيال وعجالة ، والكماة الأبطال - الكتائب : جمع كتيبة وهي القطعة أو الفرقة من الجيش .
( 2 ) تبتغي : تطلب - المجير : المنقذ والمسعف - الهبل : من قولهم هبلته أمّه أي ثكلته - المطلّ :
من أطلّ دمه إذا أهدره - يقول : تركنا قحطان تبتغي من يجيرها من الثكل الذي يواجه كل من ينازلهم أي ينازل قيسا في الحرب - وفي رواية : مقانبه في موضع مغالبه ، والمقانب جمع مقنب وهو الجماعة من الخيل أو الفرسان الذين يجتمعون للغارة .
( 3 ) الراحة : باطن اليد .
( 4 ) الزجاجة : الكأس الشفّاف - أسلس : أسهل وألين .
( 5 ) التجنّي : أن يرمى أحدهم بإثم لم يفعله .
( 6 ) لم ينلني : لم يعطني أو يمنحني .
( 7 ) يقول : إن المرء قد يعشق بالسماع قبل المعاينة .
( 8 ) المفلّج : المقسّم أو المشقّق - القضب : جمع قضيب وهو العود أو الغصن والريحان : كل نبات طيّب الرائحة والرّيحان أيضا الحبق .
( 9 ) ريحي : رائحتي ، وهذا البيت والتاليان زيادة من مختصر الطبقات .