( 96 ) أخبار أبي شراعة
حدّثني أبو جعفر محمد بن القاسم قال :
قلت لأبي شراعة : كم أتى عليك من السنين ؟ وكان مسنّا . قال : ثنتان وتسعون سنة . قلت : فأي شيء بقّى « 1 » منك الدهر ؟ قال : قد فقدت ما كنت فيه من لذيذ العيش ، وذلك أني كنت أروم ما كنت مائلا إليه فيمتنع عليّ امتناع المهر الصعب ، إلا ما أرومه من هؤلاء الكساحات « 2 » فإني ما هممت بهنّ قطّ إلّا وجدتني في حدّة كابن عشرين .
قلت : - جعلني اللّه فداك - هذه فائدة قد عجز واللّه عن مثلها أبقراط « 3 » الحكيم ، « قال » فخذها بشكر .
قال : فحدثت المأمون بهذا الحديث فقال : ترى هذا هو حق ؟ قال : قلت : لا ولكن هكذا سمعته .
قال : ثم جرّبته أنا من دون المأمون فوجدته واللّه أفضل مما قال .
وعاش أبو شراعة بعد ذلك دهرا طويلا ، وكان جيد الشعر مليح المعاني صاحب نظر ، وعاش إلى أيام المتوكل ، وكان قد مدح المهدي بن المنصور . وكان المتوكل يحسن إليه ويقول : هذا مدح آبائي وأسلافي .
وهو القائل فيه « 4 » :
ما بال سعدى ، أخلفت ميعادي * وتيسّرت لقطيعتي وبعادي
هامش
( 1 ) بقّى منك الدهر : أي أبقى .
( 2 ) الكساحات : جمع كساحة وهي الكناسة ، والكساحة تعطّل قوى الرجلين على وجه الخصوص .
( 3 ) أبقراط : أشهر أطباء الإغريق الأقدمين .
( 4 ) فيه : أي في المتوكل ولكن الأبيات لا تذكر المتوكل ، ولعلّه تعمّد الرمز فلم يصرّح .