فقال : إن لم يكن مع هذا غيره فنحن بخير ، قلنا : وما عسى أن يكون ؟ فقال :
هيهات ، أنا أعرف أبا القاسم أعزه اللّه .
وممّا يستحسن له قوله :
ناديته وظلام الليل معتكر * تحت الرّواق دفينا في الريّاحين
فقلت : قم . قال : رجلي لا تطاوعني * فقلت : خذ . قال : كفّي لا تواتيني
إني غفلت عن الساقي فصيّرني * كما تراني سليب العقل والدّين
وله أيضا :
لما رأيت البدر في * أفق السماء وقد تعلّى
ورأيت قرن الشمس في * أفق الغروب « و » قد تدلّى « 1 »
شبّهت ذاك وهذه * وأرى شبيههما أجلّا « 2 »
وجه الحبيب إذا بدا * وقفا الحبيب إذا تولّى « 3 »
وهذا معنى ما سبقه إليه أحد : تشبيه الوجه مقبلا بالبدر ، وتشبيه القفا مولّيا بالشمس ليلة المقابلة « 4 » ولكنه أخذه من كلام مشهور لأبي نواس ومسلم بن الوليد ، وكانا واقفين في الشّمّاسيّة « 5 » إذ أقبل غلام كأنه خوط بان « 6 » ، بوجه كالبدر ، بهاء ، فقال مسلم لأبي نواس : ويحك يا أبا علي أما ترى هذا ؟ قال : رأيته ، فتبارك اللّه رب العالمين وخالق هذا ، ثم ولّى الغلام فإذا قفاه مستدير لم ير الناس مثله في الدنيا ، فتحيّرا فيه ، فقال مسلم :
الوجه بدر « 7 » والقفا شمس .
فقال أبو نواس :
ووجه ذابح « 8 »
هامش
( 1 ) قرن الشمس : قرن الشمس : أول ما يبزغ منها .
( 2 ) أراد بشبيههما وجه محبوبه وقفاه كما ذكر في البيت التالي .
( 3 ) تولّى : مضى وذهب .
( 4 ) ليلة المقابلة : أي ليلة قابل بين البدر والشمس في جانب ووجه المحبوب وقفاه في جانب آخر .
( 5 ) الشمّاسيّة : محلّة ببغداد كما ورد في معجم البلدان لياقوت الحموي .
( 6 ) خوط بان : الخوط : القضيب أو الغصن الناعم ، والبان : شجر البان واحدته بانة وبه تشبّه القدود الناعمة والممشوقة .
( 7 ) الوجه بدر : وفي رواية مدور القفا .
( 8 ) ووجه ذابح : وقيل وسعد ذابح ، وهما كوكبان من الكواكب النيّرة .