وحواليه من الدفاتر ما غرق فيه فما يكاد يرى ، فوقفت ساعة لا يعلم بمكاني لما هو فيه ، ثم رفع رأسه فنظر إليّ وسلم عليّ ، فقلت له : يا أبا تمام إنك لتنظر في الكتب كثيرا وتدمن الدرس فما أصبرك عليها ! فقال : واللّه ما لي إلف غيرها ولا لذة سواها ، وإني لخليق إن أتفقّدها أن أحسن . وإذا بحزمتين : واحدة عن يمينه وواحدة عن شماله ، وهو منهمك ينظر فيهما ويميزهما « 1 » من دون سائر الكتب ، فقلت : فما هذا الذي أرى من عنايتك به أوكد من غيره ؟ قال : أما التي عن يميني فاللّات ، وأما التي عن يساري فالعزّى ، أعبدهما منذ عشرين سنة . فإذا عن يمينه شعر مسلم بن الوليد صريع الغواني ، وعن يساره شعر أبي نواس .
ومما يستملح من شعره - وشعره كله حسن - داليته في المأمون التي أولها :
كشف الغطاء فأوقدي أو أخمدي
وهي أشهر من الفرس الأبلق « 2 » ، وكذلك كل ما نذكر من قصائده هاهنا ، فإنا نقتصر على ذكر أوائلها نحو قوله :
وأبي المنازل إنها لشجون
وقوله :
سرت تستجير الدمع خوف نوى « 3 » غد
وقوله :
متى أنت عن ذهليّة القوم ذاهل
وقوله :
أصغى إلى البين معتزّا فلا جرما
وقوله :
دمن ألمّ بها فقال سلام
وقوله :
بدّلت عبرة من الإيماض « 4 »
وقوله :
الحقّ أبلج والسيوف عوارى « 5 »
وقوله :
السيف أصدق إنباء من الكتب « 6 »
هامش
( 1 ) يميزهما : وفي رواية يميز منها ، وقوله يميزهما : أي يفضلهما .
( 2 ) الأبلق : الأبيض .
( 3 ) النّوى : البعد ، والوجه الذي يذهب فيه وينويه المسافر .
( 4 ) العبرة : الدمعة - الإيماض : الومض وهو لمع البرق الخفيف .
( 5 ) الأبلج : الظاهر والواضح ، والأبلج الأبيض والحسن .
( 6 ) هذا مطلع قصيدة أبي تمّام بمناسبة فتح عموريّة ، وهي التي مدح بها الخليفة المعتصم