ثم خرج دعبل ، وشاع ذلك في البلاد ، فهتف به الغوغاء « 1 » ، والسّفل « 2 » والعبيد ، واحتاج أن يدع البلد بعد ذلك ولا يدخله .
وقصد إلى دعبل شاعر فقال : إني مدحتك . فقال : أو تعرفني ؟ قال : نعم ، أنت دعبل . قال : إذن « فأنشد » . فأنشده :
لقائل قلت - وقد قال لي : * أكرم من تسأله دعبل
- : أيطلب السائل من سائل ؟ * فقال لي : السائل لا يبخل
لبئس ما قدّر في نفسه * أن يسأل الناس ولا يسأل « 3 »
قال : فوصله وأكرمه « 4 » .
ومما يستملح لدعبل أرجوزته في المأمون وهي فصيحة سهلة يقول فيها :
يا سلم ذات الوضح العذاب * وربّة المعصم ذي الخضاب « 5 »
والكفل الرّجراج في الحقاب * والفاحم الأسود كالغراب « 6 »
بحق تلك القبل الطّياب * بعد التّجنّي منك والعتاب
إلّا كشفت اليوم عنّي ما بي
وما يستحسن له قوله :
ويدلّ ضيفي في الظلام على القرى * إشراق ناري أو نباح كلابي « 7 »
حتى إذا واجهنه ولقينه * حيّينه ببصابص الأذناب « 8 »
فتكاد من عرفان ما قد عوّدت * من ذاك أن يفصحن بالتّرحاب « 9 »
هامش
( 1 ) الغوغاء : السفلة من النّاس .
( 2 ) السّفل : السفلة أو الغوغاء من القوم .
( 3 ) وفي رواية : ليس كما قدر نفسه .
( 4 ) وفي المختصر : فأجزل عطاءه .
( 5 ) الوضح : الواضحة أي الأسنان التي تظهر عند الضحك - ذي الخضاب : وفي رواية والخضاب والصواب ما ذكر .
( 6 ) الكفل : العجز ، المؤخرة - الرجراج : الذي يهتزّ - الحقاب : ما تشدّه المرأة على وسطها .
( 7 ) القرى : إطعام الضيف .
( 8 ) بصابص الأذناب : بتحريك الأذناب .
( 9 ) أن يفصحن : وفي رواية يفضحن .