أنصرف عنه إلى منزلي منعني وقال : فبمن أسرّ إذا انصرفت ؟ فقلت : جعلت فداك ، إن مفارقتك لتشق عليّ « 1 » ، ولكن أنا معذور هذا الوقت ، وأعود بعد فنستأنس .
فأذن لي .
حدّثني اليزيدي قال :
قال رجل لابن الزيّات : لم لا تجيب دعبلا عن قصيدته التي هجاك فيها ؟
قال : إن دعبلا قد نحت خشبته وجعلها على عنقه ، يدور بها يطلب من يصلبه بها منذ ثلاثين سنة وهو لا يبالي ما قال هؤلاء وما فعل له « 2 » .
وحدّثني إبراهيم بن محمد قال : كان دعبل يخرج إلى خراسان والمأمون بها ، والرّضا عليه السلام معه هناك ، فيمدحهما فيجزلان له العطيّة ، وكان يجتاز بقمّ « 3 » ، فيقيم عند شيعتها فيقسّطون له في كل سنة خمسين ألف درهم ، وكان بقمّ إنسان يتعاطى الشعر ، يقول شيئا ضعيفا يضحك منه . وأنشد دعبل شيئا من شعره ، فقال للمنشد : أمسك فإن استماع هذا يصدأ « 4 » منه السمع . فبلغ الرجل ذلك فصار إليه وقال له : أنت الذي رذلت شعري ؟ قد قلت فيك أبياتا : فقال له :
هات ، فقال :
في است دعبل بلابل * ليس يشفى لقابل « 5 »
ليس يشفيه إلّا * أير بغل بكابل
قال : فسقط في يده وقال : واللّه ليسيرن شعر هذا الجيفة على ألسنة العامة والصبيان .
وقال : أعطيك شيئا وتكتم هذه الأبيات ولا ترويها ؟ قال : وما أريد غير ذلك - وكان خفيف الحال - فقال : أعطوه مائة درهم ، فقال : واللّه لا أخذت إلا ألفا ، فقبضه وخرج ، فقلنا له : ما صنعت ؟ هذا يدفع إليه من درهم إلى درهمين وقد كان يرضيه منك خمسة دراهم ، فقال : دعوني من هذا ، واللّه لو احتكم على الخمسين الألف التي قسمت لي بقمّ لدفعتها إليه .
هامش
( 1 ) مفارقتك تشق عليّ : أي تصعب أو يصعب احتمالها .
( 2 ) ما فعل له : وفي المختصر : ليس يجد أحدا يفعل ذلك به ، أأجيء أنا فأهاجيه ؟ قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين - وفي رواية : ما قيل له في موضع ما فعل له .
( 3 ) قمّ : من مدن إيران ، فتحها المسلمون بقيادة أبي موسى الأشعري سنة 24 ه ( 644 م ) .
( 4 ) يصدأ منه السّمع : أي أنه يؤذي المسامع .
( 5 ) البلابل : الوسواس - القابل : أي العام القابل ، وهو الذي يكون بعد العام الحاضر .