إن كنت لم تطعمي ثكل الشباب ولم * تشجي بغصّته فالعذر لا يقع
وأول هذه القصيدة :
ما تنقضي حسرة منّي ولا جزع * إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع
ورووا أنّه دخل على الرشيد يوما فأنشده :
بني حسن وقل لبني حسين * عليكم بالسّداد من الأمور
أميطوا عنكم كذب الأماني * وأحلاما يعدن عدات زور « 1 »
مننت على ابن عبد اللّه يحيى * وكان من الحتوف على شفير
ولو جاريت ما اقترفت يداه * دلفت له بقاصمة الظّهور « 2 »
يد لك في رقاب بني عليّ * ومن ليس بالمنّ الصغير
وإنك حين تبلغهم أذاة * - وإن ظلموا - لمحترق الضمير
ألا للّه درّ بني عليّ * وزور من مقالتهم كبير
يسمّون النبيّ أبا ، ويأبى * من الأحزاب سطر في سطور
يريد قوله عزّ وجلّ :
ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ
« 3 » قال : فقال الرشيد لما سمع قوله :
وإنّك حين تبلغهم أذاة * - وإن ظلموا - لمحترق الضّمير
ويحك ، ما هذا ؟ شيء كان في نفسي منذ عشرين سنة لم أقدر على إظهاره فأظهرته بهذا البيت . ثم قال للفضل بن الربيع : خذ بيد النمري فأدخله بيت المال ، ودعه يأخذ ما شاء فأدخلني وليس فيه إلّا سبع وعشرون بدرة ، فاحتملتها .
وأخذ النمري على شعره في دفعتين ما لم يأخذه شاعر قطّ : إحداهما هذه ، والأخرى أن الرشيد كان بالرّقة ، وكان يستحسنها ويستطيبها ، فيقيم بها ، وأطال المقام بها مرة ، فقالت زبيدة للشعراء : من وصف مدينة السّلام وطيبها في أبيات يشوّق أمير المؤمنين إليها أغنيته . فقال في ذلك جماعة ، منهم النمري ، « قال » أبياتا أوّلها :
ما ذا ببغداد من طيب أفانين * ومن عجائب للدنيا وللدّين « 4 »
هامش
( 1 ) أميطوا : الأمر من أماط أي نحّى وأبعد - عدات الزور : أي الوعود الكاذبة .
( 2 ) اقترفت يداه : من اقترف الذنب أي فعله - دلف له : مشى مشي المقيّد - بقاصمة الظهور : أي بالهلاك .
( 3 ) القرآن الكريم : سورة الأحزاب الآية 40 .
( 4 ) الأفانين : الضرور والأنواع .