ولم يرض وقال : أنا لا أراه وقّع إلا بمائة ألف دينار ، فإنه لم يكن ليعوّضني منها أقل من هذا ، فقالوا : حتى نؤامره إذا في هذا الكتاب ، وكان يتردد شهرا يطالب به ، فأشرفت عليه عتبة وقالت له - وقد دخل الدار يقتضى ذلك - : يا صفيق الوجه ، لو كنت عاشقا لشغلك العشق عن المفاضلة بين الدراهم والدنانير . وبلغ كلامها المهديّ ، فعلم أنها كانت أعرف بقصة الرجل ، فأمسك عن أمره .
ولأبي العتاهية في الرشيد وكان وجد عليه فحبسه فكتب إليه :
تفديك نفسي من كلّ ما كرهت * نفسك إن كنت مذنبا فاغفر
يا ليت قلبي لديك صوّر ما * فيه لتستيقن الذي أضمر
فرقّ له ، ووقّع في رقعته : لا بأس عليك . فاطمأنّ إلى ذلك . ثم تمادى مكثه في الحبس فكتب إليه :
كأنّ الخلق ركّب فوق روح * له جسد وأنت عليه راس « 1 »
أمين اللّه إن الحبس بأس * وقد وقّعت : ليس عليك باس
فأمر بإطلاقه .
وممّا كتب إليه في الحبس أيضا هذا :
إنما أنت رحمة وسلامه * زادك اللّه غبطة وكرامه
قيل لي قد رضيت عنّي فمن لي * أن أرى لي على رضاك علامه
وحقيق ألّا يراع بسوء * من رآك ابتسمت منه ابتسامه
لو توجّعت لي فروّحت عني * روّح اللّه عنك يوم القيامة
وكان الرشيد حين حبسه جعل أمره إلى خادم يقال له ماهر ، وكان يحسن إليه ، فهو يقول :
كفاني العناية من أمره * بتثمير ما كان من غرسه
وكان الشفيع إلى غيره * فصار الشفيع إلى نفسه
وحدّثني بعض أهل الأدب قال : أهدى أبو العتاهية إلى الرشيد نعلا وكتب إليه :
نعل بعثت بها لتلبسها * قدما تسير بها إلى المجد
هامش
( 1 ) وفي الشعر والشعراء : فيه روح في موضع فوق روح .