فلم أعد أن أدنيته وابتدأته * ببشر وإكرام وبرّ على برّ
وزوّدته مالا يرجّى نفاده * وزوّدني مدحا يقيم على الدّهر « 1 »
ووجه إليّ الأبيات مع وصيف وألف دينار ، وذلك حيث يقول علي بن جبلة في قصيدته الغرّاء ، التي سارت في العرب والعجم ، وهي التي يقول فيها :
إنما الدنيا أبو دلف * بين باديه ومحتضره
فإذا ولّى أبو دلف * ولّت الدنيا على أثره « 2 »
حدثني ابن أبي جرير الزعفراني قال :
لما بلغ المأمون قول علي بن جبلة في أبي دلف :
كلّ من في الأرض من عرب * بين باديه إلى حضره
مستعير منك مكرمة * يكتسيها يوم مفتخره
إنما الدّنيا أبو دلف * بين باديه ومحتضره
فإذا ولّى أبو دلف * ولّت الدنيا على أثره
استشاط « 3 » من ذلك وغضب وقال : ويلي على ابن الفاعلة . يزعم أنّا لا نعرف مكرمة إلّا مستعارة من أبي دلف . وطلبه فهرب إلى الجزيرة . فكتب في طلبه وأخذه ، فحمل إليه ، فلما صار بين يديه قال : يا ابن اللخناء ، أنت القائل للقاسم بن عيسى :
كل من في الأرض من عرب * بين باديه ومحتضره
مستعير منك مكرمة * يكتسيها يوم مفتخره
فقال : يا أمير المؤمنين ، عنيت أشكال قاسم وأشباهه من الناس ، فأمّا أنتم فقد أتاكم اللّه بالفضل عن سائر عباده ، لأنه اختصّكم بالفضل والنبوّة والكتاب والحكمة ، وجمع لكم إلى ذلك الخلافة والصلاة والملك . والكتاب والحكمة ، وما زال يستعطفه حتى عفى عنه .
وقال بعض الرواة - منهم ابن أبي فنن - : بل قتله ، وذلك أنه قال : أما إني لا أستحل دمك بهذا القول ، ولكن أستحله بكفرك وجرأتك على اللّه ، إذ تقول في عبد
هامش
( 1 ) يقيم على الدهر : أي يبقى أبد الدهر ، يخلد .
( 2 ) ولّى ( هنا ) : مات - على أثره أو في إثره : أي بعده .
( 3 ) استشاط من ذلك : غضب غضبا شديدا ، صار ساخطا .