ثبت الناس على راياتهم * وأبو الهندي في كوي زيان
منزل يزري بمن حلّ به * تستحلّ الخمر فيه والزواني « 1 »
إنما العيش فتاة غادة * وقعودي عاكفا في بيت حان
أشرب الخمر وأعصى من نهى * عن طلاب الراح والبيض الحسان
في حياتي لذة ألهو بها * فإذا متّ فقد أودى زماني « 2 »
وحدّثني صالح بن إبراهيم قال : حدّثني جعيفران الموسوس الشاعر قال : قال لي صدقة البكري : شرب أبو الهندي مع قوم في قرية من قرى مرو على سطح ليس له ستر فسكر ، وكان خبيث السّكر والنوم ، فلما جنّ الظلام ومضى من الليل ما مضى ، وقد سكروا وأرادوا أن يناموا ، خشوا على أبي الهندي أن يسقط من السطح ، فربطوا في رجله حبلا وأوثقوه ، وطوّلوا الحبل - لسكرهم - وشدّوا طرف الحبل إلى شيء في السطح على غير عمد منهم . فقام أبو الهندي في بعض الليل ليبول ، فسقط فتدلّى من السطح وهم لا يشعرون ، فلما أصبحوا وجدوه متدلّيا ميتا .
وقال صدقة البكري : قرأت على قبر أبي الهندي هذه الأبيات :
اجعلوا إن متّ يوما كفني * ورق الكرم وقبري معصره
وادفنوني وادفنوا الراح معي * واجعلوا الأقداح حول المقبرة
إنني أرجو من اللّه غدا * بعد شرب الرّاح حسن المغفرة
قال : ورأيت الفتيان يجتمعون عند قبره ويشربون ويصبّون نصيبه على قبره .
ومما يختار لأبي الهندي كلمته التي يقول فيها :
مفدّمة قزّا كأنه رقابها * رقاب بنات الماء أفزعن بالرّعد « 3 »
جلتها الجوالي حين طاب مزاجها * وطيّبنها بالبان والعنبر الوردي « 4 »
تمجّ سلافا من قوارير صفّفت * وطاسات صفر كلّها حسن القدّ « 5 »
هامش
( 1 ) يزري : يستخفّ ، يحتقر - حلّ به : أقام فيه - الزواني : جمع زانية .
( 2 ) أودى زماني : مضى وولّى .
( 3 ) مفدّمة : عليها الفدام أي المصفاة الصغيرة أو خرقة تجعل على فم البعير ليصفّى بها ما فيه - نبات الماء : ما يألف الماء من أجناس الطيور .
( 4 ) الجوالي : وفي رواية الجواري - البان : أي دهن شجر البان الذي يطيّب به - العنبر : ضرب من الطيب .
( 5 ) السلاف : الخمر - القوارير : الكئوس ، جمع قارورة .