جرى الماء كذلك ، ولا يكون الانسياب إلا على وجه الأرض ، لا يقال : انساب في الجحر ؛ حدّثني به بعض من لقيت من أصحابنا ، وكان أضبط النّاس للسان العرب ، قال :
وقول الحريري : « انساب فيها » وهم منه ، ولو قال : « انشام فيها » لكان أمثل ، يشبّهه بالسيف إذا وضع في غمده . غرارة : غفلة . ريث : قدر . هجمت عليه : دخلت عليه فجأة ، ومنه هجم عليه الحرّ ، وهجمت عينه : دخلت في رأسه . محاذيا : ملاصقا أو جالسا بحذائه . تلميذ : متعلم الصنعة حنيذ : مشويّ ، وحنذ اللحم حنذا : شواه بحجارة محماة . نبيذ ، أراد به خمرا ، خبرك ، أراد به أمرك الذي أنت عليه ، مخبرك ، أي باطنك وما يختبر منك .
ومما ينتظم في هذا النمط حكاية أبي نواس حين رئي في مجلس منصور بن عمار يبكي ، فظن الناس أنه قد نسك ، فجعلوا يهنئونه ، ويقولون : نرجو لك من اللّه الخير ، فقال : أنا أهون على اللّه من ذلك ؛ وليس كما تظنون ، ولكن أبكي لبكاء ذلك الغزال - وغلام بالمجلس يبكي من وعظ منصور - ثم قال : [ السريع ]
لم أبك في مجلس منصور * شوقا إلى الجنّة والحور
لكن بكائي لبكا شادن * تقيه نفسي كلّ محذور
تنتسب الألسن في وصفه * إلى مدى عجز وتقصير
وحضر أيضا مجلس بعض القصاص ، فقالوا له : لعلّ اللّه قد أقبل بك ! فقال : إنما حضرت لأجل هذا الغزال ، ثم قال : [ مجزوء الرمل ]
خلّياني والمعاصي * ودعا ذكر القصاص
واسقياني الخمر صرفا * في أباريق الرّصاص
وعلى وجه غزال * طائع ليس بعاصي
بين فتيان كرام * قد تواصوا بالمعاصي
وعلى اللّه - وإن أف * رطت في الذنب - خلاصي
* * * فزفر زفرة القيظ ، وكاد يتميّز من الغيظ ؛ ولم يزل يحملق إلي ، حتى خفت أن يسطو عليّ ، فلمّا أن خبت ناره ، وتوارى أواره ، أنشد : [ المتقارب ]
لبست الخميصة أبغي الخبيصة * وأنشبت شصّي في كلّ شيصه
وصيّرت وعظي أحبولة * أريغ القنيص بها والقنيصه
وألجأني الدّهر حتى ولج * ت بلطف احتيالي على اللّيث عيصه
على أنّني لم أهب صرفه * ولا نبضت لي منه فريصه