المقامة السّابعة عشرة القهقريّة
حدث الحارث بن همام قال : لحظت في بعض مطارح البين ، ومطامح العين ، فتية عليهم سيما الحجا ، وطلاوة نجوم الدّجى . وهم في مماراة مشتدّة الهبوب ، ومباراة مشتطة الألهوب ، فهزّني لقصدهم هوى المحاضرة ، واستجلاء جنى المناظرة .
فلمّا التحقت برهطهم ، وانتظمت في سمطهم ، قالوا : أأنت ممن يبلى في الهيجاء ، ويلقي دلوه في الدّلاء ؟ فقلت : بل أنا من نظارة الحرب ، لا من أبناء الطّعن والضّرب . فأضربوا عن حجاجي ، وأفاضوا في التّحاجي .
* * * لحظت : نظرت . مطارح : جمع مطرح ، وهو الموضع تطرح فيه نفسك ، أي ترميها فيه .
البين : الفراق ، فيريد بمطارح البين البلاد التي طرحه فيها البين ورماه إليها . ومطامح العين :
المواضع الحسان التي تطمح فيها العين بالنّظر ، أي ترتفع إليها . سيما الحجا : علامة العقل ، والسّيما من وسمت الشيء وسما إذا علّمته ، وأصله « وسمى » ، فحوّلت الواو من موضع الفاء إلى العين . فصار سومي ، فقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها . طلاوة : حسن . الدّجا : الظّلمة .
المماراة : الخصام . مشتدّة : كبيرة الحركة . والشدّ : الجري . الهبوب : مجيء الريح : مباراة :
معارضة . مشتطّة : ممتدّة متجاوزة الحدّ . الألهوب : الجري الشديد ، فأراد أن حركة الكلام بينهم في المناظرة شديدة . والمحاضرة : مجالسة العلماء . مناظرة : سؤال العالم لتعلم حسن نظره وقدر معرفته . جناها : فوائدها . رهطهم : جماعتهم . انتظمت في سمطهم ، أي جلست بينهم . يبلى في الهيجاء : يقاتل في الحروب . النظارة : القوم يقعدون في موضع مرتفع من الأرض ينظرون منه القتال ولا يشهدونه ، فأراد أنني ممن يحضر معكم للاستماع ، لا للمناظرة .
الحجاج : مصدر حاجّة ، تقول : حاججت فلانا إذا أوردت عليه الحجّة وأوردها عليك ، فإن غليته قلت : حججته . أفاضوا في الأحاجي : اندفعوا في الألغاز .
* * * وكان في بحبوحة حلقتهم ، وإكليل رفقتهم ، شيخ قد برته الهموم ، ولوّحته السّموم ، حتّى عاد أنحل من قلم ، وأقحل من جلم ، إلا أنه كان يبدي العجاب ، إذا