غليان الجوع . أنتجع : أمشي في طلب ما آكل ، والورد : الحظ من الماء . والبرض : قليل الماء . سحابة ذلك النهار ، أي طوال ذلك النهار ، كما تقول : بياض يومي ، أي يومي كله ، أي لم يزل طول يومه يستجدي فلم يعط شيئا . نقع غلّة : إرواء عطش صغت :
مالت . اللّغوب : الفشل . حرّى : ملتهبة ، انثنيت : رجعت .
[ المقامة المجاعية ]
أطال أبو محمد هذه المقامة حتى كادت تثقل على السامع ، وللبديع فيما يتعلق بمعناها مقامة بتراء فلو زيد في البديعية وقصر في الحريرية لاعتدلتا . وها أنا أذكر البديعية هنا بجملتها ؛ لرشاقتها وخفّتها .
قال عيسى بن هشام : كنت ببغداد عام المجاعة ، فدفعت إلى جماعة قد نظمهم سلك الثريا ، وكلهم يطلب شيئا ، وفيهم ذو لثغ في لسانه وفلج في أسنانه فقال : ما خطبك ؟ فقلت : حالات لا يفلح صاحبهما ، فقير كدّه الجوع ، وغريب ليس يمكنه الرجوع ، فقال ، أي الثلمتين تريد سدها ؟ فقلت : الجوع يا سيدي ، وقد بلغ منّي مبلغه فقال : ما تقول في رغيف ، على خوان نظيف ، ونقل قطيف ، على لون لطيف ، وخردل حرّيف ، إلى شواء صفيف ، يقربه إليك من لا يماطلك بوعد ، ولا يعذبك بصدّ . [ ثم يعلّك بعد ذلك بأقداح ذهبية ، من راح عنبيّة ] ، أذاك أحب إليك أم أوساط محشوة وأكواب مملوءة ، وأنقال معدّدة ، وفرش منضدة ، [ وأنوار مجوّدة ] ومطرب مجيد ، له من الغزال عين وجيد ، فإن لم ترد هذا ولا ذلك ، فما تقول في لحم طيريّ ، وسمك بحريّ ، وباذنجان مقلي ، وراح نقيّ ، وتفاح جنيّ ، ومضطجع وطيّ ، على حذاء نهر جار ، وبركة ذات ثرثار .
فقلت : أنا عبد الثلاثة ، فقال : وأنا خادمها لو حضرت ، فقلت من أيّ الحجرات أنت ؟ فقال : [ الكامل ]
من ربعة الإسكندريّة * من نبعة فيهم زكيّه
سخف الزّمان وأهله * فركبت من سخفي مطيّه
* * * وبينما أنا أسعى وأقعد ، وأهبّ وأركد ؛ إذ قابلني شيخ يتأوّه آهة الثّكلان ، وعيناه تهملان ، فما شغلني ما أنا فيه من داء الذّئب ، والخوى المذيب ، عن تعاطي مداخلته ، والطّمع في مخاتلته ، فقلت له : يا هذا ، إنّ لبكائك سرا ، ووراء تحرّقك لشرا ، فأطلعني على برحائك ، واتّخذني من نصحائك ، فإنك ستجد مني طبّا آسيا ، أو عونا مواسيا ، فقال : واللّه ما تأوّهي من عيش فات ، ولا من دهر افتات ، بل لانقراض العلم ودروسه ، وأفول أقماره وشموسه ، فقلت : وأيّ حادثة نجمت ، وقضيّة