تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مقامات الحريري — صفحة 402

مساهمون:

ص٤٠٢
قال الحارث بن همام : فلمّا رأينا الشّبل يشبه الأسد ، أرحلنا الوالد وزوّدنا الولد ، فقابلا الصّنع بشكر نشرا أرديته ، وأدّيا به ديته . ولمّا عزما على الانطلاق . وعقدا للرّحلة حبك النّطاق ، قلت للشيخ : هل ضاهت عدتنا عدة يعقوب ، أو هل بقيت حاجة في نفس يعقوب ! فقال : حاش للّه وكلّا ، بل جلّ معروفكم وجلّى ، فقلت له : فدنّا كما دنّاك ، وأفدنا كما أفدناك أين الدّويرة ، فقد ملكتنا الحيرة ! . * * * الشّبل : ولد الأسد . أرحلناه : أعطيناه راحلة يركبها . الصنع : الفعل الجميل . نشرا أرديته : استعارة لنشر الشكر . أدّيا : أعطيا . ديته : حقّه ، يقول : جعلا شكرهما حقّا لبرّنا ومكافأة لصلتنا ، وكأن المال الموهوب قد استهلكه الآخذ له ، فإن شكر عليه فالشّكر للواهب هو دية ماله الهالك . وإنما أراد قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من نشر معروفا فقد شكره ، ومن ستره فقد كفره » .

[ مما قيل في الشكر ]

وفي حديث جابر رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من أعطي شيئا فوجد فليجر ، ومن لم يجد فليثن به ، فإن أثنى عليه فقد شكره ، وإن كتمه فقد كفره » . وفي حديث ابن عمر رضي اللّه عنهما قال : « من دعاكم فأجيبوه ، ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه ، فإن لم يجد أحدكم فليدع له حتى يعلم أنه قد كافأه » . وقالوا : إذا قصرت يداك عن المكافأة فليطل لسانك بالشكر . وما أحسن قول حبيب في نشر الشكر وذمّ ستره . [ الكامل ]
للنار نار الشوق في كبد الفتى * والبين يوقده هوى مسموم خير له من أن يخامر قلبه * وهواه معروف امرئ مكتوم سرق الصنيعة فاستمرّ ملعّنا * يدعو عليه النّائل المظلوم أأقّنع المعروف وهو كأنه * قمر الدّجى إني إذا للئيم مثر من المال الّذي ملّكتني * أعناقه ومن الوفاء عديم فأروح في بردين لم يسحبهما * قبلي فتى وهما الغنى واللّوم
ومن ملح الأعراب ؛ أن أعرابيا لصّا أخذه الحجاج ، فضربه سبعمائة سوط ، وهو يقول عند كلّ سوط : شكرا يا ربّ ، فقيل له : واللّه ما يمنع الحجاج من تركك إلا كثرة شكرك ، أما سمعت اللّه يقول :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
[ إبراهيم : 7 ] ! فأنشأ الأعرابي يقول : [ الرجز ]