قوله : « وتخطي الخطأ الجم » ، ذكر الحريريّ في الدرّة أنّ قول الخواصّ : « أخطأ لمن يأتي بالذنب متعمّدا تحريف للفظ والمعنى ، ولا يقال : أخطأ إلّا لمن لم يتعمد الفعل ولمن اجتهد » ، فلم يوافق الصواب لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر » « 1 » وإنما أوجب له الأجر على اجتهاده في إصابة الحق الذي هو نوع من أنواع العبادة ، لا عن الخطأ الذي يكفي صاحبه أن يعذر فيه ويرفع مأثمه عنه ، و [ اسم ] الفاعل من هذا النوع :
مخطئ ، والاسم الخطأ ، قال اللّه تعالى :
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً
[ النساء : 92 ] وأما المتعمّد ، فيقال فيه : خطئ فهو خاطئ ، والمصدر الخطء ، قال اللّه تعالى :
إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً
[ الإسراء : 31 ] ، والاسم منه الخطيئة ، ويقع على الصغيرة ، قال اللّه تعالى :
أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ
[ الشعراء : 82 ] إخبارا عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وعلى الكبيرة كقوله تعالى :
وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ
[ البقرة : 81 ] الآية : قال أبو محمد الحريريّ : ولي في تضمين هاتين اللفظتين وتخصيص معنييهما المتنافيين : [ البسيط ]
لا تخطونّ إلى خطء ولا خطأ * من بعد ما الشيب في فوديك قد وخطا
فأيّ عذر لمن شابت مفارقه * إذا جرى في ميادين الهوى وخطا
وهذه التفرقة منه مستحسنة ، وكذا يقع في أكثر كلامهم ، وأما على القطع فلا ، لأنه قد حكى الزّجاج وقطرب وابن دريد في الجمهرة أنّ العرب تقول : خطئت الشيء أخطؤه خطأ ، وخطئني وأخطأته خطأ في معنى واحد ، قال : [ الكامل ]
والنّاس يلحون الأمير إذا همو * خطئوا الصواب ولا يلام المرشد « 2 »
أما : حرف استفتاح وإخبار . بان : ظهر . أما أنذرك الشيب ، سيأتي مستوفيا .
وقال في الشيب الفقيه الزّاهد أبو عمران رحمه اللّه : [ الكامل ]
ذهب الشّباب بجهله وبعاره * وأتى المشيب بحلمه ووقاره
شتّان بين مبعّد من ربّه * بغروره ومبشّر بجواره
ما زلت أمرح بالشباب جهالة * كالطّرف يمرح معجبا بعذاره
وسحبت أثواب البطالة لاهيا * وجررت من بطر فضول إزاره
حتى تقلّص ظلّه فتكشّفت * عوراته وبدا قبيح عواره
هامش
( 1 ) روي بطرق وأسانيد متعددة ، أخرجه البخاري في الاعتصام باب 20 ، 21 ، ومسلم في الأقضية حديث 15 ، وأبو داود في الأقضية باب 2 ، والنسائي في الأحكام باب 2 ، والقضاة باب 3 ، وابن ماجة في الأحكام باب 3 ، وأحمد في المسند 4 / 198 ، 204 ، 205 .
( 2 ) البيت بلا نسبة في لسان العرب ( أمر ) ، وتاج العروس ( أمر ) .