الجبان ، فقال له الغلام - وهو لا يعرفه : لئن قلت ذلك أيّها الرجل ، لقد قال أستاذنا إبراهيم بن سيار النظام : الطباع تجاذب ما شاكلها بالمجانسة ، وتميل إلى ما قارنها بالموافقة ، وكياني مائل إلى كيانك بكلّيتي ؛ ولو كان الذي انطوى عليه لك عرضا لم أعتدّ به ودّا ، ولكنه جوهر جسمي ، فبقاؤه ببقاء النفس ، وعدمه بعدمها ، وأقول كما قال الهذليّ :
فتبيّني أني بكم كلف * ثم اصنعي ما شئت عن علم « 1 »
فقال له النظام : إنما كلّمتك بما سمعت ، وأنت عندي حسن الصورة غلام ، ولولا أنّ محلّك محلّ مقيم ما تعرّضت لك ، ثم اعتلقه النظام بعد ، وقال فيه جريا على علمه :
[ الطويل ]
توهّمه طرفي فآلم خدّه * فصار مكان الوهم من نظري أثر « 2 »
وصافحه كفّي فآلم كفّه * فمن لمس كفّي في أنامله عقر
ومرّ بفكري خاطرا فجرحته * ولم أر خلقا قطّ يجرحه الفكر
وقال فيه أيضا : [ الكامل ]
وإذ تأمّل في الزّجاجة ظلّه * جرحته لحظة مقلة الظّلّ
وقال فيه أيضا : [ الرجز ]
أفرغ من نور سماويّ * مصوّر في جسم إنسيّ
وافتقر الحسن إلى حسنه * فجلّ عن تحديد كيفيّ
وقال فيه : [ مجزوء الكامل ]
يا مشرقا ملأ العيو * ن فلحظها ما يستقلّ
أوفى على شمس الضّحى * حتى كأنّ الشمس ظلّ
أتريد قتلي عامدا * ولقتل مثلي ما يحلّ
فصرّف في شعره من صناعته ، وأبدع في تخيله ببراعته .
* * *
هامش
( 1 ) يروى البيت :فتعلّمي أن قد كلفت بكم * ثم افعلي ما شئت عن علموهو لأبي صخر الهذلي في الإنصاف 1 / 205 ، وشرح أشعار الهذليين 2 / 975 ، وشرح المفصل 8 / 76 .
( 2 ) الأبيات في أمالي المرتضى 1 / 188 .