تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مقامات الحريري — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
فارحم أخاك فإنه * نزر الكرى بادي السّقام وأنله ما دون الحرا * م فليس يرغب في الحرام
والولوع في الجمال سجيّة ركبها اللّه في الأولياء وأكابر العلماء ، فمن دونهم من السّوقة والغوغاء . وعلى قدر ذكاء الأرض يطيب زرعها ، وعلى قدر طيب التربة يطيب تبعها ، فمنها العذب والأجاج وما بينهما ، وعلى قدر شرف النفس يكون حبّها ، فمنه المستحسن ومنه المستقبح . [ الطويل ]
* وكلّ إناء بالذي فيه ينضح *
في كتاب الوشاح : العشق إذا تزيّن بالعفاف فهو معنى شريف ، ويتلو قوله تعالى :
الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ
[ الزخرف : 67 ] ؛ فمن اتقى اللّه فهو خليل . وذهبت طائفة من المتكلّمين البغداديين إلى أن اللّه تعالى إنما امتحن الناس بالهوى ، ليأخذوا أنفسهم بطاعة من يهوونه ، وليشقّ عليهم سخطه ، ويسرّهم رضاه ؛ فيستدلّوا بذلك على قدر طاعة اللّه تعالى لأنه لا مثل له ولا نظير ، وهو خالقهم غير محتاج إليهم ، ورازقهم مبتدئ المنن عليهم ، فإذا أوجبوا على أنفسهم طاعة لسواه كان هو تعالى أولى أن يتّبع رضاه . قالوا : ولا ينبغي للعاقل ولا للجاهل أن ينكر علاقة شخص بشخص ، وحنين شكل إلى شكل ، ومؤالفة إلف إلى إلف ، فالقلوب صافية قابلة ، والعيون إليها ناقلة . وقالوا : لا عاشق على الأغلب إلا موفور النّعماء ، مكفى كدّ المعيشة ؛ لأنه من فراغ نفسه ورقّة حاشيته . وقد قيل : إن جميلا وبثينة لو قعدا ليلتين دون غداء وعشاء لبزق كلّ واحد منهما في وجه صاحبه . ومن شرط المعشوق أن يكون ممّن يؤيس ويطمع ، ويستتر ويلمع ، ويبدو ويحجب ، ويلين ويصعب ، ويرضى ويسخط ، ويقرب ويشحط ، كما قال أبو الطيب : [ الكامل ]
وأحلى الهوى ما شكّ في الوصل ربّه * في الهجر فهو الدّهر يرجو ويتّقي « 1 » وبين الرّضا والسخط والقرب والنّوى * مجال لدمع المقلة المترقرق
والحسن أول سعادة المرء ، ورائد اليمن ، وسائق النّجح ؛ لأن اللّه تعالى بلطف الحكمة ، وبشرف الإبداع والصنعة ، لم يخلق الصورة مختارة الصفات ، سليمة من الآفات ، إلّا عن فضل الاحتفاء ، ولم يطابقها من الأخلاق إلّا بما يناسب جمالها من
هامش
( 1 ) البيتان في ديوان المتنبي 2 / 304 .
شرح مقامات الحريري — صفحة 265 | إبراهيم شمس الدين / أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي