حدث جحظة قال : حدثني خالد الكاتب ، قال : جاءني يوما رسول إبراهيم بن المهديّ ، فسرت إليه ، فرأيت رجلا أسود على فرش قد غاص فيها ، فاستجلسني وقال :
أنشدني من شعرك ، فأنشدته : [ الطويل ]
رأت منه عيني منظرين كما رأت * من الشّمس والبدر المنير على الأرض
عشيّة حيّاني بورد كأنّه * خدود أضيفت بعضهنّ إلى بعض
ونازعني كأسا كأنّ حبابها * دموعي لمّا صدّ عن مقلتي غمضي
وراح وفعل الرّاح في حركاته * كفعل نسيم الريح في الغصن الغضّ
فزحف حتى صار في ثلثي الفراش ، وقال : يا فتى ، شبّهوا الخدود بالورد ، وأنت شبهت الورد بالخدود ! فزدني ، فأنشدته : [ مجزوء الكامل ]
عاتبت نفسي في هوا * ك فلم أجدها تقبل
وأطعت داعيها إلي * ك ولم أطع من يعذل
لا والذي جعل الوجو * ه لحسن وجهك تمثل
لا قلت إن الصبر عن * ك من التّصابي أجمل
فزحف حتى انحدر من الفراش ، ثم قال : زدني ، فأنشدته : [ الوافر ]
عش فحبّيك سريعا قاتلي * والصّنى إن لم تصلني وأصلي
فأنا بين اكتئاب وضني * تركاني كالقضيب الذّابل
فبكى العاذل لي من رحمة * فبكائي لبكاء العاذل
فاستخفّ طربا ، ثم قال : يا بليق ، كم معك لنفقتنا ؟ قال : ثمانمائة وخمسون دينارا ، قال : اقسمها بيني وبين خالد ، فدفع إليّ نصفها :
وقد سبق إلى قوله : « كأنه خدود » ، قال المفضّل : دخلت على الرشيد وبين يديه طبق ورد ، وعنده جارية مليحة شاعرة أديبة ، قد أهديت إليه ، فقال : يا مفضّل ، قل في هذا الورد شيئا تشبّهه به ، فأنشأت أقول : [ البسيط ]
كأنه خدّ معشوق يقبّله * فم الحبيب وقد أبقى به خجلا
وقالت الجارية : [ البسيط ]
كأنّه لون خدّي حين تدفعني * كفّ الرّشيد لأمر يوجب الغسلا
فقال : يا مفضّل قم فأخرج ، فإن هذه الماجنة قد هيّجتنا ، فقمت وأرخيت الستور .
ولقد أحسن ابن الزقّاق في قوله : [ الخفيف ]
ورياض من الشقائق أضحت * تتهادى بها نسيم الرياح