تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مقامات الحريري — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
بصناعته إلّا هذا فزعم أنه نجّار ، فقال : صدق واللّه ؛ إني لأنجر عيدان جواريّ - يعني عود المزمار . ونظر إلى ثلاث نسوة فزعن من شيء ، فقال : هذه حامل ، وهذه مرضع ، وهذه بكر ، فسألن فوجدن كذلك ، فسئل من أين لك علم ذلك ؟ فقال : لمّا فزعن وضعت كلّ واحدة منهنّ يدها على أهمّ المواضع لها ، فوضعت المرضع على ثديها ، والحامل على بطنها ، والبكر على فرجها . وسمع نباح كلب لم يره ، فقال : هذا نباح كلب مربوط على شفير بئر ، فنظر فكان كما قال ، فقيل له في ذلك ، فقال : سمعت عند نباحه دويّا ، ثم سمعت بعده صدى يجيبه ، فعلمت أنه عند بئر . ومن فراسته أنه رأى أثر اعتلاف بعير ، فقال : هذا بعير أعور ، فنظروا فكان كما قال ، فقيل له في ذلك ، فقال : لأني وجدت اعتلافه من جهة واحدة . ولما صار ذكاؤه يضرب به المثل ، كما يضرب بجود حاتم وحلم الأحنف وشجاعة عمرو بن معد يكرب ، نظمهم حبيب في بيت جمع فضلهم المتفرّق للعباس بن المأمون ، فقال : [ الكامل ]
إقدام عمرو في سماحة حاتم * في حلم أحنف في ذكاء إياس « 1 »
وتوفّي سنة اثنتين وعشرين ومائة وأخباره كثيرة ، وفيما أوردناه كفاية . * * * فعرّفته حينئذ شخصي ؛ وآثرته بأحد قمصي ، وأهبت به إلى قرصي ، فهشّ لعارفتي وعرفاني ، ولبّى دعوة رغفاني ، وانطلق ويدي زمامه ، وظلّي إمامه ، والعجوز ثالثة الأثافي ، والرّقيب الّذي لا يخفى عليه خافي . فلمّا استحلس وكنتي ، وأحضرته عجالة مكنتي ، قال لي : يا حارث ، أمعنا ثالث ؟ فقلت : ليس إلّا العجوز ، قال : ما دونها سرّ محجوز . ثمّ فتح إحدى كريمتيه ، ورأوا بتوأمتيه ، فإذا سراجا وجهه يقدان ، كأنّهما الفرقدان . فابتهجت بسلامة بصره ، وعجبت من غرائب سيره ، ولم يلقني قرار ، ولا طاوعني اصطبار ، حتى سألته : ما دعاك إلى التّعالي ؛ مع سيرك في المعامي ، وجوبك الموامي ، وإيغالك في المرامي ! * * * قوله : « أهبت به » ، أي دعوته ، وأصل « أهاب » دعا لنفسه من بعد . وقيل : الإهابة
هامش
( 1 ) البيت في ديوان أبي تمام ص 174 .
شرح مقامات الحريري — صفحة 204 | إبراهيم شمس الدين / أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي