العرب معدّ رأى حجرا في بلاد اليمن مكتوبا عليه بالمسند : « اقلبني أنفعك » فاحتال في قلبه ، فوجد على الجانب الآخر : « ربّ طمع يهدي إلى طبع » فما زال يضرب بهامته الصخرة تلهّفا حتى سال دماغه وفاظ .
« [ 376 ] »
وأما قولهم : أطمع من أشعب ؛
فإنه كان رجلا من أهل المدينة ، يقال له : أشعب الطّمّاع ، وكان صاحب نوادر ، وصاحب إسناد ، فكان إذا قيل له : حدّثنا يقول : حدّثنا سالم بن عبد اللّه « 16 » ، وكان يبغضني في اللّه ، فيقال « 17 » : دع هذا ، فيقول : ليس للحقّ مترك .
وكانت عائشة بنت عثمان كفلته ، وكفلت معه ابن أبي الزّناد ، وكان أشعب يقول : تربّيت أنا وابن أبي الزّناد في مكان واحد ، وكنت أسفل ويعلو حتى بلغنا ما ترون . وقيل لعائشة : هل / آنست من أشعب رشدا ؟ فقالت :
أسلمته منذ سنة في البزّ « 18 » ، فسألته بالأمس : أين بلغت في الصّناعة ؟ فقال :
يا أمّه ، قد تعلمت نصف العمل ، وبقي عليّ نصفه ، فقلت : كيف ؟ قال : قد تعلمت النّشر في سنة ، وبقي عليّ تعلّم الطّيّ . وسمعته اليوم يخاطب رجلا ساومه قوس بندق بدينار ، فقال : واللّه لو كنت إذا رميت عنها طائرا وقع في حجري مشويّا بين رغيفين ما اشتريتها بدينار ، فأيّ رشد يوجد منه ! .
وقال له سالم بن عبد اللّه بن عمر : ما بلغ من طمعك ؟ قال : ما نظرت إلى اثنين في جنازة يتسارّان إلا قدّرت أن الميت قد أوصى لي بشيء من ماله .
هامش
( [ 376 ] ) الفاخر 104 ، أمثال أبي عبيد 5 ، ثمار القلوب 150 ، الجمهرة 2 : 25 ، المستقصى 1 : 224 ، المجمع 1 : 439 ، اللسان ( أشعب ) .
( 16 ) سالم بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب ( توفي 106 ه ) : أحد فقهاء المدينة السبعة ، ومن ثقات التابعين ، توفي في المدينة . ( الأعلام 3 : 71 ) .
( 17 ) في الأصل : ( فيقول ) .
( 18 ) في الأصل : ( هل أسلمته ) .