نفثة المصدور
برئت ذمّتى وعهدتى ، وخفّ كاهلي ، عن هذا الحمل الذي اخترته من بين أشغالى ، من دون جبر أو قهر ، فآدنى حمله ، وقطع مطاى ، وقصم منى الظهر . وكان هذا الضيف قد خيّم بي منذ سبع سنين كسنى يوسف ، ولات حين مناص أو تلهّف وتأسّف ، وكان ينظر قرما إلى أفلاذ كبدي ولحمي الزيم .
فأطعمته لحمي وأسقيته دمى
كما قال أبو الطيب :
ضيف ألمّ برأسى غير محتشم * والسيف أحسن فعلا منه باللمم
إلا أنني لم أجبهه كما جبهه :
ابعد بعدت بياضا لا بياض به ! * لأنت أسود في عيني من الظلم !
ثم كلّفنى قطع 4000 ميل وشقّة شاسعة يقصر عنها خببى
ولكنني بعد كيت وذيت ، ولو وليت ، أحمد المولى سبحانه على أنه غادر البيت ، وإن كان غادرنى أيضا لقى كالميت .
فجاء الكتاب على ما يروق كل أديب ظريف جماله وبهاؤه ، ويطّبّى كل شاد - فلا يملك نفسه إعجابا به - منظره ورواؤه . على أن الخبير المنصف يراه فريدا في بابه ، لم ينسج على منواله ، ولا حذى على مثاله ، من جميع جهات المزايا التي لا عهد للناس بها ، والتي استأثر بها ، ومنها :
( 1 ) ضبط الكلمة بعدّة أشكال
( 2 ) ووضع خط تحت أعلام الشعراء الذين ترجم لهم
( 3 ) والألفاظ التي تأتى في أثناء نسق الكلام تابعة كتبت بحروف أصغر ، إلى غيرها .
وهذا كلّه ثمرة وقوف المؤلّف على الطبع وتردّده في إبرام ذلك إلى المطبعة وتوصية عمّالها ، فانى ولا خفاء بالحقّ لم أخلد إلى الراحة ، ولا ركنت إلى الدعة ، فلم أبق حلس البيت ، لا يفارقني الحشمة والوقار ، أو يزدهينى المعاهد والديار ، فلم أوثر النضائد الوثيرة ، على الفوائد الأثيرة ، فلم أكن كمن لم يرم المحلّ ، كما قال الأول :
ثهلان ذو الهضبات لا يتحلحل
وقد أعانتنى اللجنة ، ورئيسها الفاضل الجليل الأستاذ أحمد أمين ، وجميع عمّال المطبعة لا سيما مدير القسم الفنّى الأستاذ عبد اللطيف محمد الدمياطي ، فإنه توفّر بجميع وكده وكدّه في توصية العمّال والمنضّدين ، حتى يأتي الكتاب على حسب ما أردت ، مما لا عهد للناس به في المطابع التجاريّة ، وذلك كله في مائة يوم ( 20 أكتوبر - 31 يناير ) ؛ فوفى وأربى ، ودلّ بذلك على مقدرة تامّة ، وخبرة بالفنّ وأدواته .
وأما الفهارس : فبودّى لو وجدت من يقوم بها ، لأننى في رحلة تتمادى إلى 8 أشهر بعد ، ولكني على كلّ حال مدفوع بوضعها بعد رجوعي إلى عليگره . والنيّة معقودة بنشرها في مثل هذه الأيام من العام القابل ، إن شاء اللّه ، وهو مولى التوفيق القاهرة 31 ينابر سنة 1936 م عبد العزيز الميمنى