وكان يقال : أشعر الناس امرؤ القيس إذا ركب ، وزهير إذا رغب ، والنابغة إذا رهب ، والأعشى إذا طرب .
وكان بعض الأدباء يقول : الأعشى أشعر الأربعة ، فقيل له : فأين الخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنّ امرأ القيس بيده لواء الشّعراء ؟ فقال : بهذا الخبر صحّ للأعشى التقدّم ، وذلك أنه ما من حامل لواء إلّا على رأس أمير ، فامرؤ القيس حامل اللّواء ، والأعشى الأمير .
وكان الأصمعىّ يقول : ما مدح الأعشى أحدا إلّا رفعه ، ولا هجاه إلا وضعه ؛ فمن ذلك أنه مرّ باليمامة على المحلّق بن جشم الكلبىّ ، وكان خامل الذكر ، وله بنات لا يخطبن رغبة عنه ، فنزل عنه ؛ فنحر له ناقة لم يكن عنده غيرها ، وسقاه خمرا ، فلمّا أصبح قال له الأعشى : ألك حاجة ؟ قال : تشيد بذكرى ؛ فلعلّى أشهر فتخطب بناتي ، فنهض الأعشى إلى عكاظ وأنشد قصيدته القافية ، التي يمدح بها المحلّق ويقول فيها :
لعمري لقد لاحت عيون كثيرة * إلى ضوء نار باليفاع تحرّق « 1 »
تشبّ لمقرورين يصطليانها * وبات على النّار النّدى والمحلّق
فما أتت على المحلّق سنة حتى زوّج البنات على مئين ألوف « 2 » .
ومن ذلك أنه امتدح الأسود العنسىّ ، فأعطاه ذهبا وحللا ، فلمّا مرّ ببلاد عامر ، خافهم على ما معه ، فأتى علقمة بن علاثة ، فقال : أجرني ، فقال : أجرتك ؛ قال : من الإنس والجنّ والموت ؟ قال : نعم ، قال : كيف تجيرنى من الموت ؟ قال :
إن متّ في جواري بعثت إلى أهلك بالدّية ، قال : الآن علمت أنك أجرتنى .
من الموت « 3 » ثم مدح عامرا وهجا علقمة ، فكان علقمة يبكى إذا ذكر قوله :
تبيتون في المشتى ملاء بطونكم * وجار آتاكم غرثى يبتن خمائصا « 4 »
هامش
( 1 ) ديوانه 145
( 2 ) الأغانى 9 : 114 .
( 3 ) من الأغانى .
( 4 ) ديوانه 247