فلا يقدر عليه ؛ إلى أن أمّنه النعمان ، وكان يعجبه ما يسمع عنه ، فلمّا راه استزرى منظره ؛ فقال : « لأن تسمع بالمعيدىّ خير من أن تراه » ، فقال :
أبيت اللعن ! إن الرجال ليسوا « 1 » بجزر ، وإنّما يعيش المرء بأصغريه : قلبه ولسانه .
ومعيد اسم قبيلة ، وفيها يقول الشاعر :
* ستعلم ما تغنى معيد ومعرض *
[ النعمان بن المنذر ]
والنعمان هذا هو ابن المنذر بن النعمان بن عمرو ، آخر ملوك العرب بالحيرة من قبل كسرى .
وله أخبار وأقوال ؛ ومن أغرب ما ذكر منها كلامه عند كسرى في فضل العرب ؛ وذلك أنه وفد على كسرى ، وعنده وفود الرّوم والهند وغيرهم ، فذكروا ملوكهم وفضلهم ، وأفاض النعمان في ذكر العرب وفضلهم على الأمم ، لا يستثنى فارس ولا غيرها ؛ فتمعّر وجه كسرى « 2 » ، وذكر كلاما ينتقص فيه العرب ، ويفضّل عليهم الأمم ، فقال النعمان : أصلح اللّه الملك ! أمّا أمّتك فليست تنازع في الفضل لموضعها الّذى هي به ؛ من عقلها وحلمها ، وبسط حكمها ، وما أكرمها اللّه تعالى به من ولاية آبائك ، وولايتك . وأما الأمم التي ذكرت فأىّ أمة تقرنها بالعرب إلا فضلتها . فقال كسرى : بما ذا ! قال : بعزّتها ومنعتها ، وبأسها وسخائها ، وحسن وجوهها ، وحكمة ألسنتها ، ووفائها ، وأحسابها وأنسابها .
فأما عزّتها ومنعتها فإنها لم تزل مجاورة للملوك الّذين دوّخوا البلاد ، وقادوا الجنود ، لم يطمع فيهم طامع ؛ حصونهم ظهور خيلهم ، ومهادهم الأرض
هامش
( 1 ) ت : « ليست » .
( 2 ) تمعر وجهه : تغير في غضب .